كبرنا..حين علّمتنا الفواجع ما عجزت السنون عن تعليمه..!
كبرنا بهدوء،لكننا لم نصل إلى هذا الهدوء سالمين، فقد تركت الأيام في أرواحنا ندوبا لا تراها العيون، وعلّمتنا الخيبات ما لم تستطع السنوات أن تعلّمنا إياه.
لم نعد نبحث عن كثرة الوجوه،بل عن وجه نأمن إليه دون أقنعة،ولا نلهث خلف محبة الآخرين،فقد أدركنا أن أعظم الطمأنينة أن نتصالح مع أنفسنا.
كبرنا،فأصبحت التفاصيل الصغيرة تكفينا: فنجان قهوة على مهل،وهدوء يشبه أرواحنا،ورفقة لا تُتعب القلب.وتعلّمنا أن بعض الأوجاع أكبر من الشكوى،وأن خلف الابتسامات حكايات لا يعرفها أحد،وأن الأفعال أصدق من الكلمات،وأن لكل إنسان معركته الخفية.
لم نعد نُرهق أنفسنا بالجدال أو بإقناع الآخرين، فالأيام تكشف الحقائق،والتجارب تسقط الأقنعة. تعلّمنا أن نسامح حين يستحق الأمر،وأن نتجاوز حين يصبح العتاب استنزافا،وأن بعض المسافات نجاة،وبعض النهايات رحمة.
نعم، كبرنا..فقلّ كلامنا،واتّسع فهمنا،ولم نعد نطلب من الحياة سوى قلب مطمئن،وضمير نقي،وسلام لا تعكّره خيبات العابرين.
لكنني كبرتُ أكثر يوم رحل ابني.يومها شاخ شيء في روحي قبل رأسي،وتوالت المواجع،وانكسر في داخلي ما عجزت الأيام عن ترميمه.ومنذ ذلك الرحيل،وأنا أمضي وفي القلب غصّة لا يطفئها الزمن،وحنين لا يعرف الغياب.
بعض الأعمار لا تُقاس بعدد السنين،بل بحجم الفقد الذي عبر أرواحنا.وأنا لم أعد كما كنت،فقد ترك رحيل ابني في قلبي عمرا من الحزن،وعلّمني أن بعض الغائبين لا يغادروننا أبدا،وأن الحياة قد تستمرّ،لكن شيئا منا يظلّ واقفا عند لحظة الوداع.
كبرنا يا إبني..وبقي في القلب عمرٌ كامل لم يعرف كيف يودّعك.
وكفى...!
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق