الأحد، 18 أكتوبر 2026

سِلْسِلَةُ: حِكَايَاتُ فَارِسٍ مَعَ الوَقْتِ فَارِسٌ وَالثَّانِيَةُ الَّتِي تَكْبُرُ بقلم الكَاتِبُ وَالمُفَكِّرُ التُّونِسِيُّ: الكِيلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بُوسْتَة

 سِلْسِلَةُ: حِكَايَاتُ فَارِسٍ مَعَ الوَقْتِ

فَارِسٌ وَالثَّانِيَةُ الَّتِي تَكْبُرُ


    كَانَ صَبَاحَ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وَكَانَ فَارِسٌ يَبْنِي بُرْجًا عَظِيمًا مِنْ مُكَعَّبَاتِهِ الخَشَبِيَّةِ فِي وَسَطِ غُرْفَتِهِ.


كَانَ البُرْجُ عَالِيًا، مُلَوَّنًا، وَقَدْ تَعِبَ فِيهِ فَارِسٌ سَاعَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، يَضَعُ المُكَعَّبَ فَوْقَ المُكَعَّبِ بِهُدُوءٍ وَحَذَرٍ.


وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، دَخَلَ أَخُوهُ الصَّغِيرُ رَامِي يَجْرِي، فَتَعَثَّرَتْ قَدَمُهُ بِالسِّجَادَةِ، وَوَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى البُرْجِ.


وَفِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ... اِنْهَارَ البُرْجُ كُلُّهُ.


     وَهُنَا حَدَثَ غَضَبَانِ فِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ، الغَضَبُ عَلَى النَّفْسِ وَالغَضَبُ عَلَى الغَيْرِ.


أَوَّلًا، غَضِبَ فَارِسٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ المُكَعَّبَاتِ المُتَنَاثِرَةَ وَكَسَرَ قِطْعَةً مِنْهَا بِيَدِهِ وَصَرَخَ:


ـ كُلُّ تَعَبِي ضَاعَ!


ثَانِيًا، غَضِبَ عَلَى أَخِيهِ، فَصَرَخَ فِي وَجْهِهِ:


ـ أَكْرَهُكَ! أَنْتَ غَبِيٌّ! اُخْرُجْ!


سَكَتَ رَامِي وَخَرَجَ يَبْكِي.


جَاءَتِ الجَدَّةُ وَرَأَتِ المَشْهَدَ كُلَّهُ، فَقَالَتْ:


ـ يَا فَارِسُ، رَأَيْتُكَ تَخْسَرُ مَرَّتَيْنِ فِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ. مَرَّةً حِينَ كَسَرْتَ بُرْجَكَ بِيَدِكَ غَضَبًا مِنْ نَفْسِكَ، وَمَرَّةً حِينَ كَسَرْتَ قَلْبَ أَخِيكَ بِلِسَانِكَ. مَنْ يَغْضَبُ عَلَى نَفْسِهِ فِي ثَانِيَةٍ، يُعْطِي لِلْحُزْنِ مُكَعَّبَيْنِ لِيَهْدِمَهُمَا بَدَلَ مُكَعَّبٍ وَاحِدٍ.


وَبَقِيَ فَارِسٌ وَحْدَهُ بَيْنَ المُكَعَّبَاتِ.


ثُمَّ جَاءَتْ أُمُّهُ وَقَالَتْ:


ـ هَلِ ارْتَحْتَ الآنَ؟


ـ نَعَمْ، هُوَ كَسَرَ تَعَبِي.


ـ أَنْتَ بَنَيْتَ بُرْجَكَ فِي سَاعَتَيْنِ، وَهُوَ هَدَمَهُ فِي ثَانِيَةٍ بِلَا قَصْدٍ. وَأَنْتَ بَنَيْتَ حُبَّ أَخِيكَ فِي خَمْسِ سَنَوَاتٍ، وَهَدَمْتَهُ فِي ثَانِيَةٍ بِقَصْدٍ.


       جَاءَ أَبُوهُ وَمَعَهُ مِجْهَرٌ صَغِيرٌ وَقَالَ:


ـ ضَعْ ثَانِيَتَكَ تَحْتَ المِجْهَرِ يَا فَارِسُ.


أَغْمَضَ فَارِسٌ عَيْنَيْهِ وَتَخَيَّلَ.


قَالَ أَبُوهُ:


ـ اُنْظُرْ، ثَانِيَةُ صُرَاخِكَ "أَكْرَهُكَ" كَبُرَتْ فَصَارَتْ دَقِيقَةَ بُكَاءٍ لِرَامِي.


وَدَقِيقَةُ بُكَاءِ رَامِي كَبُرَتْ فَصَارَتْ سَاعَةَ حُزْنٍ لِأُمِّكَ.


وَسَاعَةُ حُزْنِ أُمِّكَ كَبُرَتْ فَصَارَتْ يَوْمًا كَامِلًا بِلَا ضَحِكٍ فِي البَيْتِ.


بَكَى فَارِسٌ وَقَالَ:


ـ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ الثَّانِيَةَ تَكْبُرُ!


        دَخَلَ الأَبُ المُتْعَبُ مِنَ العَمَلِ، وَطَلَبَ شَايًا، فَكَانَ الشَّايُ بَارِدًا، فَصَرَخَ الأَبُ فِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الأُمِّ:


ـ لِمَاذَا الشَّايُ بَارِدٌ دَائِمًا!


سَكَتَ البَيْتُ كُلُّهُ. حَزِنَتِ الأُمُّ، وَحَزِنَ فَارِسٌ، وَحَزِنَ رَامِي فِي غُرْفَتِهِ.


ثُمَّ تَنَبَّهَ الأَبُ لِنَفْسِهِ، وَجَاءَ وَجَلَسَ أَمَامَ فَارِسٍ وَرَامِي وَقَالَ بِشَجَاعَةٍ:


ـ سَامِحُونِي، أَنَا أَيْضًا نَسِيتُ أَنْ أَضَعَ ثَانِيَتِي تَحْتَ المِجْهَرِ. أَنَا الكَبِيرُ وَأَخْطَأْتُ فِي ثَانِيَةٍ، فَكَبُرَتْ ثَانِيَتِي وَأَحْزَنَتِ البَيْتَ كُلَّهُ. القَانُونُ عَلَى الجَمِيعِ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ.


فَهِمَ فَارِسٌ أَنَّ الثَّانِيَةَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ.


      مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ، أَمْسَكَ فَارِسٌ هَاتِفَ الأُمِّ وَكَتَبَ فِي مَجْمُوعَةِ الأَصْدِقَاءِ: "رَامِي غَبِيٌّ، كَسَرَ بُرْجِي، لَا أُحِبُّهُ".


وَأَرْسَلَ الرِّسَالَةَ فِي ثَانِيَةٍ.


ثُمَّ نَدِمَ، وَحَاوَلَ أَنْ يَمْسَحَهَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَدْ رَآهَا عَشَرَةُ أَصْدِقَاءٍ.


قَالَ أَبُوهُ:


ـ يَا بُنَيَّ، فِي المَاضِي كَانَتِ الكَلِمَةُ تَطِيرُ فِي الهَوَاءِ وَتَخْتَفِي. أَمَّا اليَوْمَ، فَثَانِيَةُ الغَضَبِ الرَّقْمِيِّ تَبْقَى فِي الهَاتِفِ سَنَةً، وَتَذْهَبُ إِلَى مِائَةِ شَخْصٍ، وَتَكْبُرُ أَلْفَ مَرَّةٍ أَكْثَرَ مِنَ الثَّانِيَةِ العَادِيَّةِ. هَذِهِ رِسَالَةٌ لَا تَرْجِعُ.


اِرْتَعَبَ فَارِسٌ وَقَالَ: وَمَاذَا أَفْعَلُ؟


      قَالَتِ الجَدَّةُ:


ـ بَقِيَتْ ثَانِيَةٌ أُخْرَى تُحَاسَبُ عَلَيْهَا، هِيَ الثَّانِيَةُ الَّتِي لَمْ تَقُلْ فِيهَا "آسِفٌ". لَقَدْ جَلَسْتَ عَشْرَ دَقَائِقَ سَاكِتًا بَعْدَ غَضَبِكَ، تَقُولُ "بَعْدَ قَلِيلٍ أَعْتَذِرُ". هَذِهِ العَشْرُ دَقَائِقِ كَبُرَتْ فَصَارَتْ جَبَلًا مِنْ ثَلْجٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَخِيكَ. التَّأَخُّرُ فِي الحُبِّ ذَنْبٌ مِثْلُ الغَضَبِ فِي الحُبِّ.


فَقَامَ فَارِسٌ وَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُبَرِّدَ ثَانِيَتِي، كَيْفَ؟


     أَعْطَتْهُ جَدَّتُهُ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: "مُبَرِّدُ الثَّوَانِي"، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَزْرَارٍ.


قَالَتْ:


ـ كُلَّمَا جَاءَتْكَ ثَانِيَةُ غَضَبٍ، اِضْغَطْ زِرًّا قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ.


الزِّرُّ الأَوَّلُ: زِرُّ النَّفَسِ، خُذْ ثَلَاثَةَ أَنْفَاسٍ عَمِيقَةٍ.


الزِّرُّ الثَّانِي: زِرُّ المَاءِ، اِذْهَبْ فَتَوَضَّأْ أَوِ اشْرَبْ مَاءً بَارِدًا.


الزِّرُّ الثَّالِثُ: زِرُّ العَدِّ، عُدَّ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى عَشَرَةٍ بِالعَكْسِ، أَوْ قُلْ: سَأَرُدُّ بَعْدَ دَقِيقَةٍ.


ضَغَطَ فَارِسٌ عَلَى زِرِّ النَّفَسِ، أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، ثُمَّ ضَغَطَ عَلَى زِرِّ المَاءِ فَشَرِبَ، ثُمَّ عَدَّ إِلَى عَشَرَةٍ.


وَهُدِئَ قَلْبُهُ.


    ثُمَّ قَالَتِ الجَدَّةُ السِّرَّ الأَخِيرَ: «قَانُونُ المِرْآةِ».


ـ يَا فَارِسُ، الثَّانِيَةُ مِثْلُ الكُرَةِ تَضْرِبُهَا عَلَى الحَائِطِ، أَوَّلُ قَلْبٍ تُصِيبُهُ هُوَ قَلْبُكَ أَنْتَ. حِينَ قُلْتَ "أَكْرَهُكَ"، مَنْ حَزِنَ أَوَّلًا؟ أَنْتَ. وَحِينَ تَقُولُ "أُحِبُّكَ"، مَنْ يَفْرَحُ أَوَّلًا؟ أَنْتَ. فَاخْتَرِ الكُرَةَ الَّتِي تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكَ.


قَامَ فَارِسٌ وَذَهَبَ إِلَى رَامِي، وَجَثَا أَمَامَهُ وَقَالَ فِي ثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ حُلْوَةٍ:


ـ آسِفٌ يَا رَامِي، أُحِبُّكَ.


وَفِي نَفْسِ الثَّانِيَةِ، رَفَعَ رَامِي رَأْسَهُ وَابْتَسَمَ، وَقَفَزَ إِلَى حُضْنِهِ.


ثُمَّ أَخَذَ هَاتِفَ أُمِّهِ وَكَتَبَ فِي نَفْسِ المَجْمُوعَةِ فِي ثَانِيَةٍ أُخْرَى حُلْوَةٍ:


ـ رَامِي أَخِي البَطَلُ، سَاعَدَنِي وَبَنَيْنَا بُرْجًا أَجْمَلَ مَعًا.


فَرَأَى الجَمِيعُ الرِّسَالَةَ، وَكَبُرَتِ الثَّانِيَةُ الحُلْوَةُ أَيْضًا.


وَرَجَعَا يَبْنِيَانِ البُرْجَ مَعًا فِي عَشْرِ دَقَائِقَ، وَكَانَ أَجْمَلَ مِنَ الأَوَّلِ، لِأَنَّ فِيهِ سَيَّارَةَ رَامِي فَوْقَهُ.


وَفِي اللَّيْلِ، كَتَبَ فَارِسٌ قَانُونَهُ الخَالِدَ، « قَانُونُ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَكْبُرُ» وَعَلَّقَهُ فَوْقَ البُرْجِ:


1. لِلْغَضَبِ وَجْهَانِ: غَضَبٌ عَلَى الآخَرِينَ يَكْسِرُ قُلُوبَهُمْ، وَغَضَبٌ عَلَى النَّفْسِ يَكْسِرُ قَلْبَكَ أَنْتَ، وَالاِثْنَانِ يَخْسَرَانِ.


2. الثَّانِيَةُ السَّيِّئَةُ لَا تَبْقَى ثَانِيَةً، إِنَّهَا تَكْبُرُ وَحْدَهَا حَتَّى تَأْكُلَ اليَوْمَ كُلَّهُ، وَثَانِيَةُ الهَاتِفِ تَكْبُرُ أَلْفَ مَرَّةٍ لِأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ.


3. وَالصَّمْتُ عَنِ الاِعْتِذَارِ ثَانِيَةٌ سَيِّئَةٌ أَيْضًا، تَكْبُرُ فَتَصِيرُ جَبَلَ ثَلْجٍ بَيْنَ القُلُوبِ.


4. القَانُونُ عَلَى الجَمِيعِ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، فَالكَبِيرُ أَيْضًا يَحْتَاجُ أَنْ يُبَرِّدَ ثَانِيَتَهُ وَيَقُولَ آسِفٌ.


5. عِنْدَ الغَضَبِ، اِفْتَحْ صُنْدُوقَ التَّبْرِيدِ: تَنَفَّسْ، اِشْرَبْ مَاءً، عُدَّ إِلَى عَشَرَةٍ، ثُمَّ تَكَلَّمْ.


6. تَذَكَّرْ قَانُونَ المِرْآةِ: مَا تَقُولُهُ فِي ثَانِيَةٍ يَرْجِعُ إِلَى قَلْبِكَ أَوَّلًا، فَقُلْ فِي ثَانِيَتِكَ مَا تُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْكَ: آسِفٌ، أُحِبُّكَ، شُكْرًا.


               _النِّهَايَةُ_


  💠 رُكْنُ العَائِلَةِ - لِلتَّدْرِيبِ العَمَلِيِّ:


عَزِيزِي المُرَبِّي، هَذِهِ القِصَّةُ لَيْسَتْ مَوْعِظَةً، بَلْ تَدْرِيبٌ عَلَى الذَّكَاءِ العَاطِفِيِّ.


1.  اِصْنَعُوا مَعًا فِي البَيْتِ "صُنْدُوقَ تَبْرِيدِ الثَّوَانِي" بِثَلَاثَةِ أَزْرَارٍ.


2.  نَاقِشُوا: هَلْ غَضِبْتَ عَلَى نَفْسِكَ اليَوْمَ؟ وَهَلْ كَتَبْتَ شَيْئًا غَاضِبًا فِي الهَاتِفِ وَنَدِمْتَ؟


3.  تَدَرَّبُوا عَلَى قَانُونِ المِرْآةِ: كُلُّ كَلِمَةٍ سَيِّئَةٍ تَقُولُهَا، سَتَرْجِعُ لِقَلْبِكَ أَوَّلًا.


   💠 القِيمَةُ التَّرْبَوِيَّةُ الخِتَامِيَّةُ:


         الغَضَبُ ثَانِيَةٌ وَاحِدَةٌ تَسْرِقُ أَيَّامًا، وَالاِعْتِذَارُ ثَانِيَةٌ وَاحِدَةٌ تَبْنِي أَعْوَامًا، وَمَنْ مَلَكَ ثَانِيَتَهُ، مَلَكَ يَوْمَهُ كُلَّهُ.


                                      ___««»»___


الكَاتِبُ وَالمُفَكِّرُ التُّونِسِيُّ: الكِيلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بُوسْتَة

الجُمْهُورِيَّةُ التُّونِسِيَّةُ



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق