الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

قضايا إجتماعية : مجلس النواب يقرر إغلاق تطبيق تيك توك حماية الأعراض والأنساب والمدن مسؤولية لا تقبل التأجيل بقلم الكاتبة / فريحه سليمان المريمي

 قضايا إجتماعية :

مجلس النواب يقرر إغلاق تطبيق تيك توك حماية الأعراض والأنساب والمدن مسؤولية لا تقبل التأجيل 

 

بقلمي / فريحه سليمان المريمي


لم تعد قضية تطبيق ( تيك توك ) مُقتصرة على مخاوفِ المحتوى غير الملائم للأطفالِ ، بل أمتدت إلى ما يُثيره بعض مُستخدميه من ممارساتِ تمس السلم الإجتماعي ، وتسيء إلى الأعراض والأنساب ، وتنال من كرامةِ المدن والمكونات الإجتماعية ، فضلًا عن إستخدام أسماء مُستعارة وهويات مُضللة ، وتقمص لهجات مدن ودول لتضليل المُتابعين أو إثارة الفتن والخلافات .

إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن في الكلماتِ وحدها ، بل في آثارها التي قد تتجاوز الشاشة إلى الواقعِ ، فتزرع الشكوك ، وتُؤجج الخصومات ، وتُسيء إلى سُمعة الأبرياءِ ، وتفتح أبواباً للنزاعاتِ الإجتماعية التي لا يستفيد منها أحد .

فحين تتحول المنصات الرقمية إلى مساحةٍ لقذفِ المُحصناتِ ، والتشهير بالأُسر ، والطعن في الأنسابِ ، والسخرية من المدنِ ، وإستغلال الهويات واللهجات لإثارة العداواتِ ، فإننا لا نكون أمام إختلاف في الرأي أو ممارسة مشروعة لحريةِ التعبيرِ ، بل أمام سلوكيات تستوجب التوعية والمساءلة ، والتحقق من مدى مخالفتها للقانونِ .

ومن المؤسف أن يعتقد بعض المستخدمين أن الإختباء خلف إسم مُستعار أو صورة وهمية يمنحهم حصانة من المسؤولية ، وأن بإمكانهم الإساءة إلى الآخرين دون أن تطالهم المُحاسبة .

والحقيقة أن الفضاء الرقمي ليس خارج نطاق القانون ، وأن ما يُنشر عبره قد تترتب عليه مسؤولية قانونية متى توافرت أركان المخالفة أو الجريمة وثبتت بالأدلة والإجراءات المُعتمدة .

الإغلاق أو المساءلة الفعلية ... أين يكمن الحل؟

إن المطالبة بإغلاق تطبيق تيك توك نهائياً ، في ظل المخاوفِ من إستغلالهِ للإساءةِ والتحريض ونشر المحتوى الخادش للحياءِ ، تستحق نقاشاً جاداً من الجهاتِ المُختصةِ ، على أن يُستند القرار إلى تقييم مُوثق لحجمِ الأضرارِ ، وقدرة الإجراءات البديلة على الحد منها ، والأساس القانوني الذي يسمح بإتخاذه .

وفي المقابل ، يمكن دراسة إلزام المنصات بتعزيزِ التحقق من هويةِ أصحابِ الحسابات ، وتوفير آليات فعالة للتعاملِ مع البلاغاتِ ، والتعاون مع الجهات المختصة وفق القانون ، ومنع تكرار الحسابات المُستخدمة في الإساءةِ ، أو التحايل على إجراءاتِ الحظرِ .

ومن المهم هنا التمييز بين معرفة هوية المستخدم لدى المنصة ، أو الجهات المخولة قانوناً ، وبين إظهار بياناته الشخصية علناً .

فالمطلوب هو أن تكون هناك إمكانية حقيقية لتحديدِ المسؤول عن الحسابِ عند الحاجة القانونية ، مع حماية بيانات المُستخدمين من التسريبِ والإستغلال .

أما عنوان بروتوكول الإنترنت ( الآيبي IP ) ، فلا يكفي وحده دائماً لإثبات هوية الشخص الذي نشر محتوى معيناً ، فقد يُستخدم أكثر من شخصِ الإتصال نفسه ، وقد تتغير العناوين ، أو تُستخدم وسائل لإخفاء مصدر الإتصال .

لذلك فإن التحقيق السليم يحتاج إلى أدلة رقمية موثوقة ، وإجراءات قانونية تُتيح تحديد المسؤول الفعلي عن النشرِ .

البلاغ الأمني بداية للتحقق وليس حكماً بالإدانة

إن الدعوة إلى التعامل الجاد والسريع مع أول بلاغ بشأن حساب يُشتبه في تورطهِ بالإساءةِ هي دعوة إلى عدم إهمال الشكاوى ، والتحقق منها دون تأخير ، وحفظ الأدلة الرقمية ، ومنع أستمرار الضرر متى أستدعت الظروف ذلك .

لكن البلاغ ، مهما بلغت خطورة مضمونه ، لا يُعد وحده دليلاً نهائياً على الإدانةِ .

فهناك فرق بين تقديم الشكوى ، والتحقق من صحتها ، وتحديد الشخص المسؤول ، ثم إتخاذ الإجراء الذي يسمح به القانون .

ومن ثم ، فإن المطلوب هو آلية واضحة تضمن سرعة فحص البلاغات الجادة ، ومُساءلةِ من تثبت مسؤوليتهِ عن الإساءةِ ، وفق الإجراءات القانونية ، مع حماية المُبلغين من التهديدِ والإنتقام ، وحماية الأبرياء من البلاغاتِ الكيديةِ .

ولا ينبغي أن تتحول إجراءات مُكافحة الإساءة إلى وسيلةِ لتصفيةِ الحساباتِ ، أو إسكات النقد المشروع ، فالمعيار هو الفعل والأدلة والقانون ، وليس الإنتماء أو اللهجة أو المدينة أو الموقف الشخصي .

الأعراض والأنساب والمدن ليست مادة للعبث :

إن الإساءة إلى الأعراض والطعن في الأنساب والتشهير بالأُسرِ ليست شجاعة ، ولا دليلاً على قوة الشخصيةِ ، ولا وسيلة مشروعة لتحقيقِ الشُهرة .

كما أن إستخدام أسماء المدن ولهجاتها بصورةِ مُضلِلةٍ لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لإتهام سكانها ، أو تحميلهم مسؤولية تصرفات أفراد ينتحلون هوياتهم .

فالمدن لا تُدان بأفعالِ حسابِ مجهولِ ، واللهجات ليست دليلاً على هويةِ صاحبها ، والإنتماءات الإجتماعية ليست سلاحاً لتأجيجِ النزاعات .

ومن واجب المُستخدمين كذلك عدم إعادة نشر المقاطع المُسيئة بقصد التنديد بها ، إذا كان ذلك سيُضاعف إنتشارها أو يُعيد إيذاء ضحاياها .

والأفضل توثيق المحتوى والإبلاغ عنه عبر القنوات المُناسبة ، وترك التعامل معه للجهاتِ المُختصة .

كلمة أخيرة

إننا لا ندعو إلى التضييقِ على حُريةِ التعبيرِ ، وإنما إلى حماية المُجتمع من الإساءةِ والتشهير والتحريض ، وصون كرامة الإنسانِ ، وضمان ألا يتحول الفضاء الرقمي إلى مساحةِ للإفلاتِ من المسؤوليةِ .

وعليه ، فإننا ندعو الجهات التشريعية والتنفيذية والأمنية المختصة إلى دراسة هذه القضية بجديةٍ ، والنظر في خيار الإغلاق إذا ثبتت ضرورته وتوافرت أسسه القانونية ، أو فرض ضوابط فعالة تُلزم المنصات بالتعاملِ المسؤول مع الحسابات ، والمحتوى والبلاغات ، وتضمن إمكانية مساءلة المخالفين وفق القانون .

فحرية التعبير مسؤولية ، والهوية ليست قناعاً للإساءةِ ، وكرامة الناس ليست مجالاً للتجربةِ أو العبث .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق