الشاعرة التونسية روضة بوسليمي في قصيدتها "
ذي حكايتي باختصار"
حين تبتلع امرأة من الشمس..قمرَها..!
ذي حكايتي باختصار
عامان..ثلاثة
عتّقن الصّبر
عصرته..
جعلته أجمل
ارشفت الفقد
ارشفت الفقد
ارشفت الفقد من كؤوسي
من جسد الوقت سحبتني
تجاوزن حواجز تعبي
وأستار اللّيل
اتّخذت تفاصيل استوطنت ذاكرتي
رفيقا
وكأيّ إمرأة من فصيلة الشّمس
أبتلعت قمرا يضيء حياتي .
روضة بوسليمي
ليست قصيدة الشاعرة التونسية القديرة روضة بوسليمي مجرّد بوح بالفقد،بل هي محاولة شعرية لتحويل الألم من تجربة تستنزف الروح إلى طاقة داخلية تعيد تشكيل الوعي بالحياة.
نحن إزاء كتابة تختزن وجعها في لغة مقتصدة، وتترك للصور أن تقول ما تعجز عنه العبارة المباشرة،حيث لا يُروى الفقد بوصفه حدثا عابرا، بل باعتباره زمنا يُعاش،وذاكرةً تستوطن الجسد، وتجربة تعيد ترتيب علاقة الذات بنفسها وبالعالم.
تفتتح الشاعرة نصّها بقولها: "عامان..ثلاثة / عتّقن الصبر"،فتمنح الزمن وظيفة تتجاوز قياس الأيام إلى إنضاج التجربة.
إنّ الصبر هنا ليس فضيلة جاهزة ولا استسلاما سلبيّا،بل مادة خام تخضع للتحوّل،شأنها شأن الأشياء التي يعتّقها الزمن فتكتسب عمقا ومذاقا مختلفين.غير أنّ هذا التشكيل الشعري لا يخلو من مفارقة،فالزمن الذي يُفترض أن يخفّف الألم يصبح شريكا في تعميقه،وكأنّ التجربة لا تنتهي بانقضاء أعوامها،بل تبدأ في اتخاذ شكل آخر داخل الروح.
وتأتي عبارة "عصرته..جعلته أجمل" لتكشف عن مفارقة أكثر دلالة: الألم لا يُمحى،بل يُستخلص منه شيء جديد.هنا تلامس الشاعرة إحدى الوظائف العميقة للشعر،أن يحوّل التجربة القاسية إلى معرفة جمالية،دون أن يدّعي أنّ الجمال يعوّض الخسارة أو يبطل وجعها.
ويتكثّف الإحساس بالفقد في التكرار الثلاثي لعبارة "أرشفت الفقد"،وهو تكرار يمنح العبارة إيقاعا يشبه طقسا داخليّا لاستيعاب الغياب. فالأرشفة،بما توحي به من حفظ وتصنيف واستبقاء،تبدو محاولة للسيطرة على ما لا يمكن استرداده.غير أنّ التكرار،على قوّته الإيقاعية والنفسية،يظلّ أقرب إلى التصريح المباشر،وكان يمكن للصورة أن تزداد إيحاء لو تُرك للقارئ هامش أوسع لاستكشاف وجوه الفقد بدل تسميته المتكرّرة.
وفي قولها: "من جسد الوقت سحبتني / تجاوزن حواجز تعبي / وأستار الليل"،يتجسّد الزمن في هيئة كائن ماديّ،ويغدو الخروج منه شبيها بالانعتاق من قبضة تجربة أثقلت الذات.إنّها صور تستمدّ قوتها من تشخيص المجرد وتجسيد النفسي،وإن كانت بعض الانتقالات بينها تحتاج إلى مزيد من التماسك لتتشكّل في مسار تصويري أكثر إحكاما.
ثمّ تتخذ القصيدة منحًى أكثر هدوءا في قولها: "اتّخذت تفاصيل استوطنت ذاكرتي / رفيقا".
هنا لا يعود الغائب مجرّد شخص افتقدته الذات، بل يصبح مجموعة تفاصيل تقيم في الذاكرة وتواصل الحضور رغم انقطاع العلاقة في الواقع. إنّها مفارقة الذاكرة التي تمنح الغائب إقامة أخرى، وتحوّل ما كان مصدرا للألم إلى رفقة صامتة،لا تلغي الوحشة،ولكنها تمنحها شكلا يمكن احتماله.
وتبلغ القصيدة ذروتها الدلالية في خاتمتها: "وكأيّ امرأة من فصيلة الشمس / ابتلعت قمرا يضيء حياتي".إنّها الصورة الأكثر إثارة للتأويل في النص، والأكثر انفتاحا على تعدّد القراءات.فالشمس تحيل إلى الطاقة والحياة والقدرة على الاستمرار،بينما يرتبط القمر بالنور المستمدّ،وبالحضور الذي يضيء العتمة.لكنّ فعل "ابتلعت" يقلب العلاقة المألوفة بينهما،إذ لا تكتفي المرأة باستقبال الضوء،بل تستوعب مصدره داخلها،وكأنّها تحاول تحويل الغائب من كيان خارج الذات إلى نور يسكنها.
وتكمن قوة هذه الصورة في تناقضها الخلّاق: فالابتلاع فعلٌ ينطوي على الإلغاء،لكنّ القمر،بعد ابتلاعه،يظلّ مضيئا للحياة.أيكون ذلك تعبيرا عن استبطان الحبيب الغائب،أم عن محاولة الذات استعادة استقلالها بعد الفقد،أم عن الاثنين معا..؟! تترك الشاعرة الباب مفتوحا،وتلك إحدى علامات الصورة الشعرية الناجحة حين تتجاوز المعنى الواحد دون أن تفقد مركزها العاطفي.
ومع ذلك،فإنّ هذه الخاتمة،على ثرائها الرمزي، تحمل مخاطرة تأويلية،فالعلاقة بين الشمس والقمر ليست مفصّلة بما يكفي داخل النص،وقد تبدو الصورة لبعض القرّاء قفزة مفاجئة من تجربة الفقد إلى أسطورة الذات الشمسية.غير أنّ غرابتها نفسها هي ما يمنحها قدرتها على إثارة السؤال واستفزاز المخيلة.
في المحصّلة،نحن أمام قصيدة تقوم على التكثيف،وتستثمر الاستعارة والتشخيص والتكرار لتصوغ تجربة أنثوية في مواجهة الزمن والغياب. ليست القصيدة محكمة بالدرجة نفسها في جميع مقاطعها،فبعض صورها أكثر أصالة وتأثيرا من بعض انتقالاتها،لكنّها تمتلك نواة شعرية واضحة، تتجلّى خصوصا في صورة الذاكرة رفيقا،وفي استعارة المرأة التي تبتلع قمرها.وهي نواة تمنح النص قيمته الحقيقية،بعيدا عن الأحكام المجاملة التي تساوي بين كلّ الأسطر،أو المبالغة النقدية التي ترفع كلّ صورة إلى مرتبة الاستثناء.
إنّ ما يُحسب لروضة بوسليمي أنّها لا تكتفي برثاء الفقد،بل تحاول استنطاق ما يتركه في الروح من تحوّلات،وتمنح الوجع لغة تتجاوز الشكوى إلى التأمّل.وفي الصورة الأخيرة،تومض شاعريتها الأوضح: امرأة لا تنكر عتمتها،ولا تستسلم لها،بل تحاول أن تجعل من نور الغائب طاقة لمواصلة الحياة.وذلك هو الرهان الأجمل في هذه القصيدة: أن يتحوّل الألم،لا إلى انتصار سهل على الفقد،بل إلى قدرة أكثر نضجا على حمله.
وفي النهاية،حاولتُ من خلال هذه المقاربة المستعجلة أن أكون موضوعيا،وأن ألامس زوايا المنهج النقدي بعيدا عن المحاباة والمجاملة،وهما مما لا ينسجمان مع طبيعة الناقد الجاد والموضوعي.
متابعة محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق