"لا للمنفى" للشاعرة التونسية أحلام بن حورية: حين تتحوّل الأرض إلى قصيدة مقاومة..ويصبح الأمل آخر حصون الحرية..
.
(قراءة تعبيرية وفنية ونقدية..في تجربة الشاعرة التونسية أحلام بن حورية)
لا للمنفى
كالقرية التي سالت منابعها حتى فاضت،
لكنها ماتت من العطش.
كتلك العين التي جفّت مآقيها،
لكنها ما زالت تبكي مآسي البلاد.
هي الأرض التي تنبض عشقا لكثكثات
تدوسها أقدام الغاصبين،
لا تيأس،
ولا تتذمّر،
رغم كل الأنين الذي يسكنكِ من سنين،
رغم كل الأحلام التي سافرت بعيدا،
وظننتِ أنها سُجنت بجدران الظلام،
رغم كل القيود التي كبّلتكِ
وكبست على عظمكِ وقلبكِ،
لا تستسلمي أيتها العاشقة الخضراء
وكوني نُطْلَةً من أمل
يعتلي سدرة الحرّيّة
ويغنّي للسلام.
أحلام بن حورية
ليست قصيدة "لا للمنفى"للشاعرة التونسية القديرة أحلام بن حورية مجرد بوح بوجع الأرض، ولا رثاءً لوطن أثقلته الجراح،بل هي محاولة شعرية لاستعادة المعنى من تحت ركام الخيبات، وتحويل الألم من حالة انكسار إلى طاقة مقاومة، ومن إحساس بالاختناق إلى توق عنيد نحو الحرية والسلام.
منذ الاستهلال،تضعنا الشاعرة أمام مفارقة دلالية موجعة،حين تقول: "كالقرية التي سالت منابعها حتى فاضت،لكنّها ماتت من العطش".
هنا تتأسّس إحدى أبرز جماليات النص: التناقض بين وفرة الماء واستحالة الارتواء.إنها صورة تتجاوز معناها الحرفي لتلامس عطش الإنسان إلى العدالة،وعطش الوطن إلى الحياة،حين تتوافر أسباب الخصب ظاهريا،بينما يظلّ الحرمان هو الحقيقة الأكثر رسوخا.وقد نجحت الشاعرة في بناء مفارقة شعرية تختزل اختلال العلاقة بين الإمكان والواقع،وبين ما ينبغي أن يكون وما آل إليه الحال.
وتتعمّق هذه المفارقة في الصورة التالية:"كتلك العين التي جفّت مآقيها،لكنّها ما زالت تبكي مآسي البلاد".فالعين،التي يفترض أن تكون منبع الدموع، تتحوّل إلى رمز لاستنزاف الحزن حتى نهاياته القصوى.إننا إزاء بكاء يتجاوز الجسد،ليصبح ذاكرة جماعية،ووجعا وطنيا لا تكفي الدموع لتطهيره أو احتواؤه.وهنا تتجلّى قدرة الشاعرة على نقل التجربة من خصوصيتها الوجدانية إلى أفقها الإنساني العام.
أما الأرض،فلا تحضر في القصيدة باعتبارها مساحة جغرافية صامتة،بل بوصفها كائنا حيا ينبض بالعشق،وتدوسها أقدام الغاصبين.إنها صورة تقوم على التضاد بين نبض الحياة وعنف الاحتلال،بين قداسة الانتماء ووحشية الاستباحة. وبذلك تتخذ الأرض بُعدا رمزيا مزدوجا: فهي الوطن الذي يُجرح،والحبيبة التي تُقاوم،والهوية التي ترفض أن تتحوّل إلى ذكرى في ذاكرة المنفيين.
وعلى مستوى البناء الفني،تعتمد القصيدة لغة شفيفة تنهل من المعجم الوجداني،لكنها لا تستسلم للغنائية المجردة،إذ تتضافر الاستعارة والتشخيص والمفارقة والتضاد لتشكيل نسيج دلالي تتجاور فيه صورة العطش مع الدموع،والقيود مع الحرية، والظلام مع الأمل.وهذه الثنائيات ليست زينة بلاغية عابرة،بل هي المحرّك الداخلي للنص،إذ تمنحه توتره الشعوري،وتكشف الصراع بين واقع خانق وإرادة لا تقبل الاستسلام.
كما أن تواتر صيغ النفي والأمر،من "لا تيأس" و"لا تتذمّر" إلى "لا تستسلمي"،يضفي على القصيدة إيقاعا تحريضيا يتجاوز وظيفة التعبير إلى وظيفة الفعل.فالشاعرة لا تكتفي بوصف الجرح،بل تحاول مخاطبة الذات الوطنية واستنهاض قدرتها على النهوض.ويأتي النداء: "أيتها العاشقة الخضراء" محمّلا بإيحاءات الخصب والانتماء والحياة، ليحوّل الوطن من موضوع للرثاء إلى مخاطَب يستحق الحب والوفاء والمقاومة.
وفي هذا السياق،تتخذ عبارة "لا للمنفى" دلالتها الأعمق'فالمنفى ليس بالضرورة مغادرة المكان فحسب،بل قد يكون اقتلاعا داخليا،وشعورا بالاغتراب داخل الوطن،وانفصالا بين الإنسان وأحلامه.ومن ثمّ،فإن رفض المنفى في القصيدة هو رفضٌ لمحو الهوية،ولتطبيع الهزيمة،ولتحويل الحلم إلى سجين أبدي خلف جدران الظلام.
غير أن النص لا يخلو من بعض المواضع التي تستحق التوقف النقدي.فالتراكم المتتابع لصور الألم والقيود والأنين والأحلام السجينة يرفع منسوب الانفعال،لكنه قد يحدّ أحيانا من مساحة المفاجأة الشعرية،فيما تظل بعض التعابير أقرب إلى المعجم المألوف في شعر المقاومة.وكان من الممكن أن يزداد النص فرادة لو أتاح لبعض صوره أن تتطور عبر تحولات أكثر إدهاشا،أو منح بعض مشاهده مساحة أوسع من التكثيف والإيحاء.كما أن الانتقال من صور العطش والبكاء إلى مشهد سدرة الحرية والسلام يفتح أفقا رمزيا واعدا،كان يمكن تعميق الصلة العضوية بين مراحله ليغدو التحول من الألم إلى الأمل أكثر تدرجا وإحكاما.
لكن هذه الملاحظات لا تحجب القيمة التعبيرية للقصيدة،ولا تنتقص من صدق منطلقها الوجداني، بل تندرج في صميم القراءة النقدية التي تميّز بين حرارة التجربة ودرجة تحققها الفني،وتؤمن بأن الإشادة الحقيقية لا تنفصل عن الملاحظة الموضوعية.
وتبلغ القصيدة ذروة رجائها في دعوتها إلى أن تكون المخاطَبة "نُطْلَةً من أمل" تعتلي "سدرة الحرية" وتغني للسلام.هنا يتراجع صوت الرثاء لمصلحة صوت البناء،ويغدو الأمل فعلا مقاوما لا أمنية عابرة.فالحرية ليست نقيض القيود فحسب، بل هي القدرة على استعادة المستقبل،والسلام ليس نسيانا للجراح،بل أفقا لا يستقيم دون الكرامة.
إن أحلام بن حورية تكتب من منطقة حساسة يتداخل فيها الوجدان الوطني بالانحياز إلى الإنسان،وتراهن على قدرة الشعر على حماية ما يتعرض للتهديد: الذاكرة،والهوية،والحلم.وقد اختارت في هذه القصيدة لغة قريبة من المتلقي، مشحونة بالصور والإيقاع العاطفي،لتقول إن الوطن،مهما اشتدّ عطشه،لا يفقد حقه في الارتواء، وإن الأرض التي تُداس لا تفقد بالضرورة قدرتها على إنبات الحرية.
لقد أنجزت أحلام بن حورية في "لا للمنفى" قصيدة تستمدّ قوتها من صدق انحيازها إلى الأرض والحرية،وتحوّل وجع الوطن إلى نداء للحياة.وقد قرأناها قراءة تستند إلى أدوات النقد الحديثة،وتوازن بين جماليات الصورة وبناء الدلالة وحدود التشكيل الفني،بعيدا عن المحاباة والمجاملة،لأننا نؤمن بأن احترام الشاعر لا يكون بتعطيل النقد،بل بمنحه قراءة تليق بتجربته. فالإشادة التي لا تمرّ عبر الموضوعية مجاملة، والنقد الذي لا يرى الجمال جحود،وبينهما نحاول أن نكون أوفياء للشعر،وللحقيقة،ولأحلام بن حورية التي تستحق أن تُقرأ بإنصاف.
على سبيل الخاتمة :
لقد أنجزت أحلام بن حورية في "لا للمنفى" قصيدة تجعل من وجع الوطن نداء للحياة،ومن الأمل آخر حصون الحرية.وبين جمال الصورة وصدق الانحياز،يظلّ الشعر شاهدا على أن الأرض قد تُجرح،لكنها لا تكفّ عن إنبات الحلم،وأن رفض المنفى يبدأ من الإيمان بأن الحرية،مهما طال ليلها، تجد دائما قصيدة تحرس فجرها.
إنها أحلام بن حورية،الشاعرة التونسية الفذة التي تجعل من وجع الأرض قصيدة،ومن الحلم مقاومة،قصيدة تحرس فجرها،وتؤمن بأن الليل،مهما طال،لا يملك الكلمة الأخيرة.وتلك إشادتنا بها،لا مجاملة عابرة،بل تقديرا نقديا يحاول أن ينصف جمال النص دون أن يعطّل حقه في المساءلة.
محمد المحسن
"لا للمنفى" للشاعرة التونسية أحلام بن حورية: حين تتحوّل الأرض إلى قصيدة مقاومة..ويصبح الأمل آخر حصون الحرية..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق