**((أَنْيَابُ البَرَاءَةِ))..*
*الجُزْءُ الرَّابِعُ مِنْ رِوَايَةِ (مُسَبَّعِ الكَارَاتِ)..*
*قِصَّةٌ: (مُصْطَفَى الحَاج حُسَيْن)..*
أَقَرَّ (إِبْرَاهِيمُ)، بَعْدَ أَنْ قَرَأَ قَصَائِدِي، الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ أَخِي (سَامِي)، بِأَنَّنِي شَاعِرٌ مَوْهُوبٌ، أَمْتَلِكُ مَوْهِبَةً وَاضِحَةً.. فَحَمَلَ قَصَائِدِي، وَذَهَبَ لِيَسْهَرَ مَعَ صَدِيقَيْهِ، (زَكَرِيَّا)، وَ(عَلِيٍّ).
وَفِي بَيْتِ (زَكَرِيَّا) حَدَّثَهُمْ عَنِّي، وَعَنْ حِرْمَانِي مِنْ تَكْمِيلِ تَعْلِيمِي، وَعن عَمَلِي فِي البِنَاءِ مَعَ وَالِدِي، وَحُبِّي لِلقِرَاءَةِ، وَإِصْرَارِي عَلَى كِتَابَةِ الشِّعْرِ.. رَغْمَ قَسْوَةِ ظُرُوفِي، وَالمُعَانَاةِ مِنْ عَقْلِيَّةِ أَبِي الَّذِي كان لَا يُؤْمِنُ بِالشِّعْرِ.
(زَكَرِيَّا)، وَ(إِبْرَاهِيمُ)، وَ(عَلِيٌّ)، كَانُوا أَصْغَرَ مِنِّي بِسَنَتَيْنِ، جمعتهم زُمَالةُ الدِرَاسَةٍ مُنْذُ الابْتِدَائِيَّةِ، وَكَانَ مَعَهُمْ أَيْضًا، (خَالِدٌ)، وَ(مَعْنٌ)، وَ(طَلَالٌ)، وَ(مُحَمَّدُ أَبْيَضُ).. وَلَقَدْ عَرَّفُونِي بدورِهم عَلَى الجَمِيعِ، فِيمَا بَعْدُ.. وَقد كَانُوا يَمِيلُونَ لِلمُطَالَعَةِ، وَنَظْمِ الشِّعْرِ مُنْذُ كانوا صغيري السنِّ،
قَالَ (زَكَرِيَّا):
- نَحْنُ يَجِبُ أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَيْهِ، حِينَ يَأْتِي إِجَازَةً، أَوْ يُسَرَّحَ.
وَأَخَذَ (زَكَرِيَّا)، يَنْشُرُ لِي قَصَائِدَ، فِي الجَامِعَةِ، كُلِّيَّةِ الآدَابِ، حيث يَعْرِضُ لي قَصَائِدِي فِي لَوْحَةِ الإِعْلَانَاتِ، لِأَنَّهُ كَانَ نشطاُ في اتِّحَادِ الطَّلَبَةِ.
وَكَانَ أَخِي (سَامِي) سَعِيدًا، لِأَنَّ (إِبْرَاهِيمَ)، وَ(زَكَرِيَّا)، وَ(عَلِيًّا)، رَغِبُوا بِالتَّعَرُّفِ عَلَيَّ، وَأُعْجِبُوا بِكِتَابَاتِي، لِذَلِكَ قَالَ، يُطَمْئِنُ أُمِّي وَأَبِي:
- لَقَدْ رَتَّبْتُ أُمُورَ (مُصْطَفَى)، بَعْدَ أَنْ يُسَرَّحَ مِنَ الجَيْشِ.
سَأَلَاهُ:
- كَيْفَ؟
قَالَ:
- وَجَدْتُ لَهُ أَصْدِقَاءَ، يَهْتَمُّونَ بِالشِّعْرِ.. وَلَا تَعْنِيهِمُ السِّيَاسَةُ.
وَمَرَّةً.. صَادَفَ أَخِي (سَامِي)، أَنْ الْتَقَى، بِصَدِيقِهِ (مُحَمَّدِ عَلِيٍّ)، زَمِيلِهِ فِي المَدْرَسَةِ، ابْنِ حَارَتِنَا، فِي مَدِينَتِنَا (البَابِ).. وَدَعَاهُ (سَامِي) إِلَى دَارِنَا، فِي (صَلَاحِ الدِّينِ).. وَحِينَ جَلَسَا فِي غُرْفَتِنَا، أَنَا وَ(سَامِي).. وَوَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى الكُتُبِ.. سَأَلَ:
- هَلْ تُحِبُّ القِرَاءَةَ؟
أَخْبَرَهُ (سَامِي)، أَنَّ هَذِهِ الكُتُبَ تَعُودُ لِي.
دُهِشَ، وَسَأَلَ:
- هَلْ أَخُوكَ (مُصْطَفَى)، يُحِبُّ قِرَاءَةَ الرِّوَايَاتِ وَالقِصَصِ، وَدَوَاوِينِ الشِّعْرِ؟!
أَجَابَ (سَامِي) بَاسِمًا:
- بَلْ وَيَكْتُبُ الشِّعْرَ أَيْضًا.
هَتَفَ (مُحَمَّدُ عَلِيٍّ)، بِدَهْشَةٍ وَتَعَجُّبٍ:
- (مُصْطَفَى) يُحِبُّ القِرَاءَةَ، وَيَكْتُبُ الشِّعْرَ؟!
- نَعَمْ.
- أَنَا لَا أُصَدِّقُ.. أَنْتَ تَمْزَحُ.. هَذَا لَا يُمْكِنُ..!!
فأَخُوكَ (مُصْطَفَى) فِي دَمِهِ يسكنُ الإِجْرَامُ،وأَنَا أَعْرِفُهُ جَيِّدًا.. كَلْبٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ، لَا الحَيَوَانُ، وَلَا الإِنْسَانُ.. فهو يَعْتَدِي عَلَى كُلِّ مَنْ يُصَادِفُه.. وَتراه دَائِمًا مُسَلَّحٌاً بِالسَّكَاكِينِ، وَالجَنَازِيرِ، وَالعِصِيِّ.. وَيُدَخِّنُ فِي الأَسْوَاقِ العَامَّةِ، دُونَ خَوْفٍ أَوْ خَجَلٍ.
قَالَ (سَامِي):
- لَكِنَّهُ تَحَوَّلَ، وَتَغَيَّرَ، بَعْدَ أَنْ انْتَقَلْنَا إِلَى (حَلَبَ).
- وَلَكِنْ كَيْفَ؟!.. قُلْ لِي.. اِشْرَحْ لِي.
- لَقَدْ غَيَّرَتْهُالقراءة وصفاته.. فجَعَلَتْ مِنْهُ شَخْصًا آخَرَ.
قَالَ (مُحَمَّدٌ):
- وَاللهِ أَنَا خَطَرَ عَلَى بَالِي، مِنْ لَحْظَةِ أَنْ الْتَقَيْنَا.. وَلَمْ أَسْأَلْكَ عَنْهُ، لِكَيْ لَا أُوقِعَكَ فِي الحَرَجِ.. خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ لِي.. إِنَّهُ فِي السِّجْنِ، أَوْ قُتِلَ فِي إِحْدَى المَعَارِكِ، الَّتِي يَخُوضُهَا مَعَ الآخَرِينَ.
سَيَكُونُ (مُحَمَّدُ عَلِيٍّ) هَذَا، فِي المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ مهندساُ ومُدِيرًا لِمَعْمَلِ الإِسْمَنْتِ، الكَائِنِ فِي مِنْطَقَةِ (المُسْلِمِيَّةِ)، خَارِجَ مَدِينَةِ (حَلَبَ).
وَصَلَتْنِي رِسَالَةُ (سَامِي)، إِلَى قِطْعَتِي العَسْكَرِيَّةِ.. فِي (صَيْدَا الجُولَانِ).. المُجَاوِرَةِ لِـ (تَلِّ الفَرَسِ)، المُحْتَلِّ.
حَدَّثَنِي (سَامِي)، عَنْ شِلَّةِ الأَصْدِقَاءِ الجَدِيدَةِ.. (إِبْرَاهِيمَ)، وَ(زَكَرِيَّا)، وَ(عَلِيٍّ).. وَكَانَتْ فَرْحَتِي بِهِمْ عَظِيمَةً.. وَكُنْتُ فِي غَايَةِ اللَّهْفَةِ، لِلِّقَاءِ وَالتَّعَارُفِ.
*(مُصْطَفَى الحَاج حُسَيْن).*
*انْتَهَى الجُزْءُ الرَّابِعُ، مِنْ رِوَايَةِ (مُسَبَّعِ الكَارَاتِ)..*
*يَتْبَعُ.*

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق