الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

لِمَ؟ بقلم ماهر كمال خليل السويد / ترولهتان

 لِمَ؟

( إلى أرواح شهداء الأنفال )


لِمَ؟


أنفاسُ أطفالٍ

شُطِبَتْ،

وأعوامُهم تمضي ولا تكتمل،

ووجوهُ مَن غابوا

ما زالت تسأل:

لِمَ؟


من رحمِ أمهاتنا وُلدوا،

ومن طينِ تربتنا نبتوا،

وعلى سفوحِ الجبالِ

تحجّلت أحلامُهم

كما يحجلُ الحِجلُ عند الفجر،

نديّةَ الخطى،

والجبالُ تناديها.


ثم سِيقوا في عتمةِ الليل،

مكدّسين،

إلى صحارى لم تطأها أقدامُهم،

ولم تعرف هضابُها ظلالَهم.


لم تعرف الصحراءُ وجوهَهم،

ولا جدائلَهم الشقراء،

ولا ضفائرَ صغارهم

بلونِ السنابل،

ولا غليونَ تبغٍ

نُحت من خشب الجوز والبلوط،

ولا شالاتِهم السوداء.


ابتلعتهم الرمال،

وغاب الركبُ بأطفاله،

ووُورِيَ الجميعُ بلا شهود،

ولا مأتمَ

إلا نجومٌ أغمضت عينيها،

وحبّاتُ رملٍ تسلّلت إلى الأجداث،

كأنها تتبرأ من الدم

في صمتٍ يغلي.


لِمَ؟

لِمَ؟


وفي الأعالي،

غيمةٌ مثقلةٌ

تُمطرُ كلَّ مساءٍ

على شالٍ أسودَ

لم يعد أحدٌ يرتديه.


كأنّ يوسفَ

ما زال في غيابة الجبّ،

وكأنّ الخيانةَ

تتجدّد في وجوه الذين اقتُلعوا.


وسمّوا الليلَ باسمِ آيةٍ،

فصار الاسمُ غنيمةً،

وغاب الغدُ عن عيونهم.


وفي القرى التي خلّفوها

احترقت حقولُ القمح،

وبقيت أنقاضٌ

مفتوحةٌ على غياب،

واستفاق الفجرُ باستحياءٍ

على أرضٍ لا تهدأُ ولا تنام.


تُرَدُّ أشياؤهم، لكنْ لِمَنْ؟

إذا عادَ كلُّ شيءٍ

وغابَ مَن كانوا.


وكنيسةٌ ومئذنةٌ

تقاسمتا الصمت،

فلا أذانٌ يصعد،

ولا أجراسٌ تُقرع،

وللسماءِ الباكيةِ وحدَها

صلاةُ الغائبين.


وبقي السؤالُ يتيمًا

على شفاه الأطفال،

يعبر البحار،

ويخترق الحدود،

ويطرق أبوابَ العواصم…

ويعود من أقصى الغياب:


لِمَ؟


ماهر كمال خليل

السويد / ترولهتان

21/10/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق