حين يغدو الغياب وطنا..والانتظار وجعا..!
تصدير:
كثر الغائبون عني،حتى أصبحت لا أعرف من انتظر..!
كثر الغائبون،وتوالت الوجوه التي رحلت دون وداع، حتى غدوت لا أعرف مَن أنتظر،ولا مَن سيغيب بعد الآن.كأنّ الانتظار قدري،وكأنّ الخذلان هو الفصل الأخير من حكاية لم أُحسن اختيار نهايتها.
رحل الأب،وغابت الأم،ومضى الابن،وانفرط عقد الأحبّة،فوجدتني وحيدا في مواجهة عمر أثقلته الفواجع.أقف كنخلة في أقصى الجنوب،شامخة في ظاهرها،موحشة في باطنها،لا يواسيها سوى ريح تعرف أسماء الذين غادروا،ولا يسمع أنينها أحد..!
أما رفاق الأمس،فقد اختطف الموت بعضهم، وأبعدت دروب الحياة بعضهم الآخر،حتى صرت أجلس إلى روحي كغريب لا يعرف كيف يواسي نفسه،وأحاورها عند الغروب،فيما تتساقط من العمر أوراق لا تعود.
ما أقسى أن يشيخ المرء لا بما عاشه من سنوات، بل بمن دفنهم في قلبه،وبالأماكن التي ظلّت تنتظر عودتهم عبثا.!
لم يعد يؤلمني أن أغيب عن الآخرين،بل أن أفتّش في هذا العمر عن وجه واحدٍ أطمئن إليه،فلا أجد سوى الذكريات..والذكريات،مهما أحسنت مواساتنا، لا تعود لتربّت على كتف أنهكه الفقد.
أقسى الفقد أن يرحل الذين كانوا يمنحون حياتنا معناها،فنظلّ أحياء في أعين الآخرين،فيما يموت في داخلنا شيءٌ لا يراه أحد.وحين يغيب الأب والأم والابن،لا يعود الغياب فراغا في الحياة،بل تصبح الحياة كلّها غيابا،ينهش شفيف الروح..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق