قراءة نقدية في قصة (عطاء) للقاص علي البدر
اياد خضير
قصة (عطاء) نص قصير جدا ينجح في تكثيف مشهد إنساني كامل في بضع جمل، ويعتمد على بنية ثنائية تقوم على التحول من العنف إلى الرحمة.
البنية السردية
النص مقسم إلى مشهدين متوازيين. المشهد الأول حركي وعنيف: سقوط، انحناء، قضم، صرخة، ضربة، تدحرج. جمل قصيرة متقطعة تحاكي لهاث الطفل وانفعال البقال.
المشهد الثاني ساكن وتأملي: تقدم، لمسة كتف، تلاقي نظرات، ابتسامة، همس. هذا الانتقال من الإيقاع السريع إلى البطيء هو ما يصنع أثر القصة.
الجملة المحورية في النص هي: ( نسي الطفل جوعه وانشغل بمسح دموعه بأنفاس متقطعة ). هنا ينتقل السرد من الحاجة المادية إلى الجرح المعنوي، وهذا ما يبرر تدخل الراوي.
اقتصاد اللغة
القاص علي البدر يلتزم بقواعد القصة القصيرة جدا. لا وصف زائد ولا تفسير. الجملة الافتتاحية "على الأرضِ، سقطتْ" تترك الفاعل مجهولا عن قصد، لتكون قابلة للتأويل: التفاحة سقطت، أم كرامة الطفل؟
كذلك جملة ( تفاحة تتدحرج ) تأتي منفصلة، كأنها لقطة سينمائية للخسارة.
الرمز والدلالة
التفاحة حاضرة كرمز مركزي. في البداية هي بقايا ساقطة على الأرض، مرتبطة بالجوع والحاجة. في النهاية تتحول إلى ( ثمرة الخلود ) من خلال فعل العطاء. هذا التحول الدلالي هو فكرة القصة: قيمة الشيء لا تكمن في ذاته بل في طريقة انتقاله من يد إلى يد.
عبارة البقال (أحقا انها يدي؟) تكشف عن الاغتراب عن فعل الخير. كأن يد العطاء غريبة عنه، لم يعتد عليها، مما يوحي بأن القسوة كانت طبقة مكتسبة وليست أصلا.
شخصية الراوي تلعب دور الوسيط الأخلاقي. تدخله لم يكن بالخطاب المباشر أو التوبيخ، بل بلمسة وابتسامة ودمعة. وهذا يمثل طرحا أخلاقيا: التغيير يحدث بالتعاطف لا بالعنف المضاد.
الخاتمة
الخاتمة ( كأنني أكلت من ثمرة الخلود حين أعطيت ) تقلب معادلة الأخذ والعطاء. الذي يأخذ يشبع مؤقتا، والذي يعطي يخلد. وهي خاتمة فلسفية ترفع النص من حادثة عابرة إلى تأمل في معنى الوجود الإنساني. قصة رائعة تعيش وتكتب لنا اجود القصص يامتالق ..
"عطاء" قصة قصيرة
علي البدر
على الأرضِ، سَقَطَتْ. انحنى ووضعَها وسطَ راحةِ يدِهِ وبدأ يقضُمُها. صرخةٌ هائجةٌ وضربةٌ على الرأسِ، وتفاحةٌ تتدحرجُ. نَسِيَ الطفلُ جوعَه وانشغلُ بمسحُ دموعه بأنفاسٍ متقطعة. تقدمتُ نحو البقالِ.
وضعتُ كفّي على كَتفِه. تلاقتْ نَظَراتُنا فاستغربَ لدموعٍ لأجلِ طفلٍ تَسيلُ. ابتسمْتُ فابتسمَ بخجلٍ وهَمَسَ: ما هذا؟ احقًا انها يَدي؟ ملأ كيسًا وقدَّمَه للطفلِ وأكملَ: "احساسٌ غريبٌ، كأنني اكلتُ مِن ثَمَرةِ الخلودِ حينَ أَعَطيتُ!!"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق