الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

قراءة في قصة «البريء المذنب» ليوسف خليل بقلم: ناصر صالح

 متى يصبح الوصول إلى المذنب أهم من الوصول إلى الحقيقة؟

قراءة في قصة «البريء المذنب» ليوسف خليل

بقلم: ناصر صالح

الجزء الأول

إذا كان البناء السردي للأحداث قد قدّم الفكرة الأساسية للقصة، فإن اللغة هي الأداة التي كان يمكن أن تمنح هذه الفكرة مزيدًا من القوة والجمال. يمتلك النص لغة مفهومة وقريبة من المتلقي، وهذا يخدم طبيعته الحكائية؛ إلا أنه يحتاج إلى مراجعة لغوية واضحة، إذ تظهر بعض التراكيب والأخطاء النحوية والإملائية، إلى جانب تكرار بعض الكلمات والتعبيرات.

كذلك فإن توحيد المستوى اللغوي بين السرد والحوار سيمنح النص مزيدًا من الانسجام. فالحوار الناجح ليس مجرد نقل للكلام، بل هو أداة للكشف عن شخصية المتحدث، ومستواه النفسي، وموقفه من الأحداث.

لذلك كان يمكن توظيف الحوارات بين كريم وسالِه، وكذلك بين اللصوص والرجل البريء، بصورة أعمق للكشف عن الشخصيات، لا أن تكون مجرد وسيلة لدفع أحداث القصة إلى الأمام.

أما اعتراف الرجل الذي يرويه في السجن، فهو أكثر أجزاء القصة حساسية من الناحية الفنية. فهذا المشهد يحمل صدمة أخلاقية قوية، وينقل الرجل من «البريء» إلى شخصية لها تاريخ شديد القسوة والفظاعة. لكن هذا التحول يحتاج إلى بناء نفسي أكثر إقناعًا؛ لأن القارئ لا ينتقل بسهولة من التعاطف مع شخصية مظلومة إلى تقبّل اعتراف بارتكاب جريمة بهذه الفظاعة، من دون أن يشعر بالحاجة إلى تفسير أعمق.

ومن هنا كان يمكن للكاتب أن يوظف الصمت، والتردد، وردود الفعل العاطفية، والندم، بدلًا من الاعتماد فقط على الاعتراف المباشر. فعندما تكون الجريمة ثقيلة، فإن الأثر النفسي للشخصية أهم من مجرد سرد تفاصيلها.

أما نهاية القصة، فتتضمن نوعًا من المفارقة السوداء والواضحة؛ فبدلًا من أن تكون الحقيقة سببًا لخلاص الرجل، تصبح سببًا في انهياره وفنائه أكثر. وهذه واحدة من النقاط الذكية في القصة، لأنها تضع القارئ أمام عدالة معطلة لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن شخص تعلق عليه المشانق كي يغلق الملف.

لكن النهاية كانت ستكون أقوى لو ترك الكاتب مجالًا أوسع للتأويل، بدلًا من التصريح المباشر ببعض النتائج. فالأدب لا يحتاج دائمًا إلى أن يشرح رسالته؛ وأحيانًا تكون الإشارة أكثر تأثيرًا من التصريح المباشر، ويكون صمت الكاتب في اللحظة المناسبة أكثر تأثيرًا من كثرة الكلام.

هناك بعض التفاصيل التي تحتاج إلى تنظيم ومراجعة؛ فبعض الانتقالات بين الأحداث تبدو متعجلة، وبعض التعبيرات تحتاج إلى إعادة صياغة، كما يظهر في بعض المواضع اضطراب في الضمائر أو في تحديد بعض الشخصيات والأحداث. وهذه الأمور لا تهدم الفكرة، لكنها تؤثر في تماسك البناء القصصي، ولذلك تحتاج إلى مراجعة قبل اعتماد النص بصورته النهائية.

ومع ذلك، فإن الإنصاف النقدي يقتضي أن نقول إن «البريء المذنب» ليست مجرد قصة تقوم على حكاية عابرة ومؤقتة، بل تحمل سؤالًا إنسانيًا وأخلاقيًا مهمًا: ماذا يحدث عندما يصبح الوصول إلى المذنب أهم من الوصول إلى الحقيقة؟

المذنبون في القصة لم يعودوا مجرد لصوص؛ بل يصبحون في لحظة ما شهودًا على الفساد. أما الرجل الذي أُودع السجن باسم البراءة، فلم يعد مجرد ضحية، بل يصبح مرآة تكشف ضعف النظام الذي أصدر حكمه عليه. وكريم وسالِه يمثلان خطر الطاعة العمياء، عندما تتحول أوامر السلطة إلى ذريعة للظلم.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للنص؛ لأنه يدفع القارئ إلى إعادة التفكير في معنى البراءة والجريمة والعدالة، ويضعه أمام مفارقة مؤلمة: قد يكون الإنسان بريئًا من الجريمة التي حوكم بسببها، لكنه ربما ليس بريئًا من كل ما ارتكبه!

في النهاية، تمتلك القصة حسًا سرديًا جيدًا، ومفارقة أخلاقية جريئة، ورسالة واضحة؛ لكنها تحتاج إلى مزيد من المراجعة في بناء القصة، واختصار السرد، وتعميق الشخصيات، وتنقيح الحوار وتنظيمه، والمراجعة اللغوية.

وأجمل ما في النص أنه لا يترك القارئ أمام سؤال: «من المذنب؟» فقط، بل يدفعه إلى سؤال أكثر صعوبة:

ماذا يحدث عندما يصبح البحث عن المذنب أهم من البحث عن الحقيقة؟

تلك فكرة تستحق الحفاظ عليها وتطويرها؛ لأن القصة في جوهرها ليست عن سرقة تم تعقب مرتكبها، ولا عن رجل أُودع السجن ظلمًا، بل عن نظام يستطيع أن يصنع مذنبًا عندما يعجز عن الوصول إلى المذنب الحقيقي.

وهنا أقول للكاتب: لديك فكرة تستحق الاهتمام، وما تحتاجه ليس تغيير روح القصة، بل مزيدًا من التجميل والمراجعة الفنية واللغوية، حتى تتحول هذه البذرة إلى قصة أكثر ترابطًا وعمقًا وتأثيرًا.

...........

البريء المذنب

قصة:  يوسف خليل

يُحكى أن ثلاثة لصوص ذهبوا إلى رجل فقير بعدما علموا أنه يخفي مبلغًا كبيرًا من المال. وكان الرجل قد غلبه التعب، ومن شدة الحر نام فوق سطح المنزل، فأيقظته همهماتهم، فشعر أن عدة أشخاص يحاولون دخول بيته. وسرعان ما أدرك نيتهم السيئة، لذلك لم يصدر صوتًا حتى دخلوا إلى الداخل، ثم نزل عن طريق السلم وأغلق الباب بقفل كبير، وبعدها ركض باتجاه كبير المدينة ليشتكي.

فأصدر كبير المدينة سريعًا أمرًا بإلقاء القبض على الرجال الثلاثة، وبعد إثبات جرائمهم يُحكم عليهم بالإعدام شنقًا.

وفي الطريق، وجد أحد اللصوص فرصة للهرب، فركض، وحاول رجال الشرطة كثيرًا العثور عليه، بينما أوصل كريم الخبر إلى كبير المدينة.

— لا أستطيع أن أصدق ما أسمعه! إما أن تعثر عليه، أو أنك ستأخذ مكانه؟!

ظل كريم يفكر ولم يصل إلى أي نتيجة واضحة، فجاءه صديقه سالِه وهمس في أذنه:

— من أجل من تقتل نفسك؟ كم سنة وأنت تتعب نفسك من أجل لص وتعرض نفسك للهلاك؟

— يا سالِه، لقد ضعت، ولا أعرف ماذا أفعل.

— تعال معي، في هذه المدينة سنجد فريسة، ونضعها مكانه!

— وهل سينجح الأمر؟

— من دون إزعاج، لا أحد يتعقبنا. نقتل ونقطع، فنحن لسنا إلا أنفسنا!

— يا أحمق، كيف خطرت لك هذه الفكرة؟

ظلّا يبحثان ويهدران الوقت، حتى وجدا في زاوية أحد المقاهي رجلًا أشعث كثيف اللحية، يبدو عليه أنه لم يأكل منذ أسبوع! فقال سالِه لكريم:

— لقد وجدت لك فريسة جيدة، انظر، ها هو...

لم يسقوه ماءً، بل قيدوه وأرسلوه إلى السجن. ووصل الخبر إلى كبير المدينة، فسُرّ به كثيرًا، وكافأ كريم مكافأة جيدة على هذه العملية.

دخل الرجل الذي اصطادوه مع اللصوص في حوار، وراح كل واحد منهم يروي قصته؛ لأنهم كانوا فاقدين الأمل في الحياة، وموقنين بأنهم سيُشنقون في اليوم التالي. لذلك راح كل واحد منهم يكشف للآخر أسراره، ويحكي كيف عاش أيامه الماضية.

وجاء الدور على البريء، لكنه لم يرغب في الكلام. كان شديد الضيق، ويشكو من حظه، إلا أنهم لم يتركوه حتى أجبره على الكلام.

— ماذا تريدون مني؟ لقد اكتفيت من مصيبتي، وتركت نفسي لمصيري، فلماذا لا تتركونني أنتم؟

— لن نتركك حتى تحكي لنا قصتك؛ لأنك الآن أصبحت مثلنا، مجرمًا!

— يا أخي، أنا في مصيبتي، وقد وقعت فيها لأنني دائمًا أشرب! زوجتي مليحة أغلقت الباب في وجهي، ولذلك وقعت في هذه الورطة المفاجئة!

— أيها الأحمق، هذه مشكلتك الخاصة. حدثنا عن شيء مهم.

— حسنًا، سأروي لكم شيئًا، لكنه أول مرة أحكيه. أرجوكم ألا تخبروا أحدًا به!

— على العين والرأس. سنحكيه بين الناس، يا أحمق! غدًا ستُشنق، فاحكِ!

— حسنًا، حسنًا، فقط لا تقاطعوني...

في العام الماضي، في تلك المدينة الواقعة على الجانب الآخر، كنت أعمل في صيد السمك على النهر. وفي أحد الأيام، بينما كنت منهمكًا في العمل، كنت قد مضيت عدة أيام دون أن أعود إلى البيت. رأيت امرأة شابة وطفلًا يتجهان نحوي. كانت المرأة جميلة جدًا، فأُعجبت بها. سلمت عليها، فطلبت مني أن أنقذها من النهر وأن أوصلها إلى الجانب الآخر حتى تصل إلى بيت أبيها. فوافقت، وركبت هي وطفلها معي.

— مستحيل! ألم تتشاجر معها، وتعطك مبلغًا قليلًا من المال؟!

— لا، ليس الأمر كذلك. في منتصف الماء حاولت أن أستدير، فقد كنت قد أُعجبت بها، ولم أكن أعرف ماذا أفعل. توسلت إليها كثيرًا، فصرخت عليّ وقالت: ماذا تريد مني؟

قلت لها: أحبك وأريدك أن تمنحيني نفسك!

— يا رجل، ماذا تقول؟! اقطع رأسي، لكنني لن أفعل شيئًا كهذا، فأنا متزوجة ولي أطفال!

— سأقتلك إذن!

— اقتلني!

فأمسكت بالطفلة فورًا، ومن شدة الغضب والاندفاع رميتها في النهر. وبعد محاولات كثيرة غرقت. وكانت المرأة تريد أن تلقي بنفسها، لكنني منعتها، وكانت ترتجف وهي في الماء...

— والآن ماذا تقول؟! هل أنت راضٍ عن نفسك؟!

— ماذا بيدي؟ لا خيار أمامي. اقتلني، فأنا لا أساوي أكثر من ابنتي!

— هاجمتها، لكنها لم تستسلم. حاولت كثيرًا أن أقبّلها، لكنني لم أستطع، فألقت بنفسها في الماء، وقالت لي: اذهب، ولتذهبوا جميعًا إلى الجحيم! ومنذ ذلك الوقت لم أرتكب شيئًا من هذا، ولم أعد إلى تلك المنطقة.

— حسنًا، مرحبًا بك من جديد.

— أشهد أنك بريء، وأننا نحن المذنبون، والله! كريم، يا أبا الشلة، لقد وجدت لنا فريسة جيدة. نحن لم نقبض إلا بسبب سرقة لم نرتكبها، وغدًا سنُشنق! فكم مرة ينبغي أن تُشنق أنت؟!

— والله، إنك تستحق أن تُشنق سبع مرات!

— لماذا يا أخي؟ ماذا فعلت أنا؟

انتشر هذا الخبر سريعًا في السجن، ووصل إلى مسامع كريم، وسالِه صديقه.

— سالِه، إذن أهنئك بهذه المناسبة، ماذا تقول؟

— يا رجل، أولًا نشنقه، وماذا نخسر من القضية؟ وبعد ذلك نصبح موضع احترام الناس.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق