الأحد، 13 سبتمبر 2026

نصلٌ في قلبي…/ قصة قصيرة للكاتبة ليلى المراني

 نصلٌ في قلبي…/ قصة قصيرة

ليلى المراني


— أريدك أن تعودي إليّ يا ماجدة.

ذُهلت حين سمعتُ صوته ضعيفّا متوسّلّا في اتصاله المفاجئ! مضى على طلاقنا أكثر من عام، لم يسأل ولم يتّصل، لماذا الآن ؟

— لماذا تريدني أن أعود؟ وماذا استجدّ ؟

— أنا مريض جدّا وأحتاجك… الوحدة قتلتني.

لم أجد ما أقوله سوى:

— أعتذر، أنا أيضّا مريضة.

وأقفلت الخط

قفز أمامي ذلك اليوم بأحداثه التي مزّقتني، وما زلت أعاني منها. شريط سينمائي يتكرّر كل مرة، يعذّبني، أحاول أن أتخلص منه، فلا أستطيع. 

أجلس على مقعدٍ في منطقة الباص بعد أن مشيتُ عشوائيا مسافةّ طويلة… لا أعرف أين أنا، ولا أين أذهب، وكيف أعود إلى بيتي… أجدني ضائعة في مدينةٍ لا أعرفها، ولا أعرف اللغة التي يتحدثون بها… ولا كيف وصلت إلى هنا، فقد أضعتُ بوصلتي!

جئت مع مَن كان زوجي قبل ثلاثة ساعات إلى هنا لنكمل إجراءات الطلاق، أوصلنا صديقه بسيارته، ثم تركاني وذهبا بعد أن تمّ الطلاق!

شريطٌ مؤلم من الذكريات لا يزال يحفر جراحاً في قلبي منذ ارتبطتُ بهذا الرجل. خمسة عشر عامًا من الجحيم عشتها معه، وأنجبت ثلاثة أبناء.

أذكر الآن اليوم الذي دخل فيه بيتنا مع والدته ليطلب يد إحدانا, ثلاثة أخوات كنا، وأنا الوسطى بينهن، لم أكن أجملهن، ولكنني تميّزت بضفيرة سوداء طويلة تصل منتصف ظهري، أما هو، فقد كان فارع الطول، وسيماً ذو بشرة حنطيّة وعينين زرقاوين، وهذا ما كان يميّزه في مجتمعٍ يعشق العيون الملوّنة لندرتها!

لماذا اختارني أنا ؟ وهذا ما جعلني أنتفخ غرورا، وأحصد حسد أختاي… ليته لم يفعل، فقد دفعت الثمن غالياً.

لم يمضِ على زواجنا سوى أسبوعان، حتى ظهر وجهه الحقيقي. لم أكن أفهم لماذا يحاول إهانتي أمام الآخرين، حتى أصبحت متعثّرة الخطوات، وكأنني قادمة من الريف لتوّي!  ينتحب صوتٌ في صدري وأنا أتذكّر كلمات عمّتي الحبيبة،" أنت تمتلكين شخصيّة عذبة وقوية في آن، تميّزك عن باقي بنات العائلة "

قد تتساءلون لماذا أنا هنا، فقد كان باستطاعته أن يرمي عليّ يمين الطلاق وأنا في البيت، ولكن الأمور في هذا البلد الأوروبي تختلف، إذ يجب أن يتمّ الطلاق بعد اتفاق الزوجين على ذلك، وبعد أن يخضعان إلى جلسات مكثفة لمحاولة الوصول إلى تسوية بين الطرفين ومعرفة أسباب الطلاق.

نحن نسكن في قريةٍ صغيرة في أطراف المدينة، ولذا علينا أن نذهب إلى البلدية ( the common )، لإجراء مراسيم الطلاق، وهذا ما حدث، والآن أنا هنا، أجلس منذ ساعتين في منطقة الباص، أتلفت يميناً ويسارا، لا أعرف أين أنا وماذا أفعل!

أصاب الفضول امرأة عجوز، يبدو إنها أحسّت بمعاناتي وتوتري، لم أفهم ماذا قالت، ولكنني بكيت؛ فاحتضنتني، وكأنها جعلتني أفيق من ذهولي وضياعي؛ فتذكرت أن عندي ( هاتفا )، إذن أستطيع أن أتصل بابنتي كي ترشدني،

— ماما، أين أنت؟

صوتها قلقاّ، متلهّفا

— لا أعلم يا حبيبتي، اتصلي بوالدك واسأليه… لا أعرف كيف أعود إلى البيت.

وابنتي هذه هي البكر، وهي التي انهارت حين عادت من المدرسة ووجدتني مرميّة على الأرض والدم ينزف من فمي وأنفي… احتضنتني وبكت…

— ماما، يجب أن تتطلّقي منه، سيقتلك يوماً.

وكان ما كان، طلبت الطلاق كي أعيش ما تبقى من حياتي من أجل أبنائي. لم يصدّق ما سمعه، فازداد شراسة… هربت إلى بيت صديقتي التي تعاطفت معي وأرشدتني إلى الخطوة التالية.

أنتظر الآن ما ستفعله ابنتي، وكيف ستساعدني في العودة إلى البيت.

لم يعد لديّ ما أفعله سوى أن أمرّن ذاكرتي على النسيان، فهو وحده يشفيها من آلامها القاسية، ولكن يبقى صمت جريح يترسّب في أعماقي…


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق