الخميس، 10 سبتمبر 2026

حين تضيق اللغة..بحزننا العربي..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين تضيق اللغة..بحزننا العربي..!

"إننا أمةٌ لو جهنمُ صُبّت على رأسِها واقفةْ..ما حنى الدهرُ قامتَها أبدا،إنما تنحني لتُعينَ المقاديرَ إن سقطت أن تقومَ،تتمُّ مهماتِها الهادفةْ " ( مظفر النواب )


نحن أمة يبدو فيها الفرح العربي كأنه ممنوع من العبور،وكأن الأمل نفسه صار هدفا قابلا للقصف، ومشروع التحرر والتقدم والنجاة تهمة تستوجب العقاب.!

لقد تعاقبت علينا الكلمات الثقيلة حتى استهلكناها: الهزيمة،والنكسة،والنكبة،والمؤامرة،والخذلان... وكلما ظننا أننا بلغنا أقصى ما يمكن أن يحتمله الإنسان العربي،جاء واقع جديد ليخبرنا أن قاموس أحزاننا ما زال عاجزا عن تسمية ما يحدث.

ولعلنا،أمام هذا العجز،نحتاج إلى اجتماع استثنائي لمجمع لغوي عربي،لا لإحياء كلمة قديمة أو استحداث مصطلح أكاديمي،وإنما للبحث عن اسم جديد لهذا الشعور الغريب الذي يسكننا،شعور لا هو حزن خالص،ولا هزيمة مكتملة،ولا يأس نهائي، بل خليط موجع من العجز والانتظار والخذلان، ومن الخوف على المستقبل مع التشبث ببقايا الأمل.

لقد كانت العربية،وهي التي منحت الحصان أسماء كثيرة،ووسّعت قاموس الحب والشوق والفراق والحنين،قادرة دائما على تسمية أدق المشاعر الإنسانية.لكن يبدو أننا وصلنا إلى لحظة أصبحت فيها اللغة نفسها تقف أمام جراحنا عاجزة،تبحث عن مفردة تتسع لكل هذا الانكسار.

المشكلة ليست أن العرب فقدوا الكلمات،وإنما أنهم يعيشون واقعا أكبر من الكلمات التي ورثوها لوصف مآسيهم.

فكل نكبة تلد نكبة،وكل خيبة تفتح الباب أمام خيبة أشد،حتى صار السؤال ليس: ماذا حدث لنا؟! بل: ماذا نسمي ما يحدث لنا بعد أن استُهلكت كل أسماء الوجع ؟!

ومع ذلك،فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة ليس أن تضيق بها اللغة،وإنما أن تضيق بها القدرة على الحلم.فاللغة قد تعجز عن تسمية الجرح،لكن الإنسان يستطيع أن يحوله إلى وعي،والوعي إلى مقاومة،والمقاومة إلى طريق نحو الخلاص.

ربما لا نحتاج اليوم إلى كلمة جديدة تصف حجم حزننا،بقدر ما نحتاج إلى فعل جديد يغيّر سببه. فاللغة قد تعجز عن تسمية المأساة،لكن الأمل وحده قادر على أن يمنحها اسما آخر: بداية الخلاص.

ولعل أوجع ما في مأساتنا أننا لم نعد نعجز عن وصف الحزن فحسب،بل أصبحنا نخشى أن نعجز يوما عن تخيل الفرح.!

 لقد استنفدنا مفردات الهزيمة،حتى غدت اللغة أضيق من جراحنا،وأثقل من صمتنا.ومع ذلك، يبقى في أعماق هذه الأمة شيء عصيّ على الموت: ذلك الأمل الذي كلما حاولوا اغتياله،نهض من بين الركام،كأنه آخر كلمة لم تستطع الهزائم أن تمحوها من قاموسنا..!


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق