«إشكالية مصطلح المساواة والعدالة بين النصوص الإلهية المطلقة والتشريعات الوضعية: دراسة تحليلية مقارنة في ضوء الضوابط الشرعية والفلسفة القانونية»
مقال من : د. توفيق عبدالله حسانين (جمهورية مصر العربية)
مقدمة البحث
إشكالية البحث ومنهجيته:
تنطلق إشكالية البحث من التوظيف المزدوج لمصطلح "المساواة" في الفلسفات الوضعية المعاصرة؛ حيث يُستغل أحياناً كشعار فضفاض لتمرير تشريعات تصطدم بالفطرة والضوابط الشرعية تحت ستار حقوق الإنسان. وفي المقابل، تقدم الشريعة الإسلامية رؤية محكمة ترتكز على مبدأ "العدالة التوازنية" الذي يجمع بين وحدة أصل الخلقة وتمايز الوظائف والمسؤوليات. يعتمد البحث على المنهج الاستقرائي التحليلي المقارن؛ لاستقراء النصوص الشرعية الحاكمة، وتحليل مقولات الفقه القانوني الوضعي، ومقارنة مخرجاتهما النظرية والعملية.
المبحث الأول: المفاهيم والأسس الفلسفية (المساواة والعدالة)
المفهوم الحقوقي والشرعي للمساواة
تُعرّف المساواة إجرائياً بأنها إتاحة الفرص المتكافئة للأفراد بغض النظر عن انتمائاتهم العرقية أو الاجتماعية، غير أن الإطلاق غير المقيّد لهذا المفهوم في القوانين الوضعية أدى أحياناً إلى إلغاء الفوارق الفطرية والطبائع التكوينية (كالتمايز البيولوجي والوظائفي بين الجنسين). وتتفرع المساواة إلى:
مساواة تكوينية: تتعلق بوحدة الكرامة الإنسانية واستواء البشر في أصل الخلقة.
مساواة قانونية إجرائية: خضوع الكافة لمعيار النظام العام دون محاباة أو تمييز طبقي.
مساواة موضوعية: تكافؤ الفرص في الانتفاع بالحقوق والخدمات العامة.
التأصيل الفلسفي للعدالة وفارقها عن المساواة
العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه ووضع الأمور في نصابها الصحيح، وهو الغاية العليا التي تندرج تحتها المساواة كأحد أدواتها وليست بالضرورة غايتها المطلقة. يكمن المفصل الأكاديمي الدقيق بينهما في أن:
المساواة تسعى للتماثل العددي الصرف (إعطاء الجميع الشيء ذاته بغض النظر عن الحال).
العدالة تحقق التناسب الإنصافي (إعطاء كل طرف ما يستحقه بناءً على كفاءته، أو مسؤوليته، أو حاجته الفعلية)، مما يجعل العدالة أوسع شمولاً وأدق ميزاناً من المساواة البحتة.
أنواع العدالة في الفقه القانوني المقارن
عدالة التوزيع: مرتبطة بتخصيص الموارد الاقتصادية والاجتماعية بميزان الاستحقاق والاحتياج.
العدالة الإجرائية: ضمان النزاهة والحياد في تطبيق المعايير واللوائح.
العدالة التصالحية (التعويضية): رد الحقوق لأصحابها وجبر الضرر المادي والمعنوي.
العدالة الجزائية: تحقيق الردع العام والخاص عبر عقوبات متلائمة مع جسامة الجرم.
المبحث الثاني: مفاضلة منهجية بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية
أولاً: أسباب تفوق المنهج التشريعي الإسلامي
الربانية والعصمة المصدرية: استناد الشريعة إلى الإرادة الإلهية المطلقة والعلم المحيط، قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]، مما يصون التشريع عن الهوى والمصالح الفئوية الضيقة التي تلوث القوانين الوضعية.
قصور القانون الوضعي وتأثره بالبيئة: القوانين البشرية قاصرة بطبيعتها، ومحكومة بالظروف الزمانية والمكانية، وعرضة للتغيرات السياسية والاقتصادية السريعة (كما ظهر جلياً في انحرافات النظم الوضعية المعاصرة).
الثبات القيمي والمرونة التطبيقية: تتميز الشريعة بثبات الكليات والأصول، ومرونة الفروع والوسائل، مما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان دون تخلف أو جمود.
ثانياً: نظرية المساواة وحقوق المرأة في الميزان المقارن
قررت الشريعة الإسلامية المساواة الإنسانية الكلية قبل أربعة عشر قرناً في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. وفي تطبيق مبدأ المساواة بين الجنسين، أقرت الشريعة استقلال الذمة المالية للمرأة وأهليتها الكاملة، ووازنَت بين الحقوق والواجبات بقاعدة "العدالة التكليفية"، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]. هذه "الدرجة" تمثل قوامة الرعاية والمسؤولية المالية والقيادية (وفق مبدأ الاقتران بين السلطة والمسؤولية)، بينما تأخر الفكر القانوني الغربي في منح المرأة أبسط حقوقها المدنية والمالية حتى أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
ثالثاً: فلسفة الحريات العامة في التشريع الإسلامي
حرية الفكر والعقل: تحرير العقل من أسر الخرافة والتقليد الأعمى وتوجيهه نحو التدبر العلمي والعمراني.
حرية الاعتقاد: تقرير مبدأ عدم الإكراه القسري، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].
حرية القول والتعبير: تنظيمها بضوابط المسؤولية الأخلاقية والمصلحة العليا للمجتمع، متجنبة بذلك إما "فوضى الحريات المطلقة" المؤدية لانهيار المنظومة الأخلاقية، أو "استبداد القوانين الوضعية" الكابتة للأصوات الحرة.
خاتمة البحث والنتائج الاستراتيجية
تثبت الدراسة التحليلية أن الشريعة الإسلامية سبقت الفلسفات الوضعية بقرون طويلة في وضع لبنات "العدالة الحقة" التي توازن بين مساواة الحقوق وتفاوت الوظائف الفطرية.
سقوط الدعاوى التغريبية والعلمانية التي تحاول استنساخ قوانين وضعية مغتربة عن الهوية العقدية والأخلاقية للمجتمعات الإسلامية.
ضرورة ارتكاز الدراسات القانونية والدستورية المعاصرة في العالم الإسلامي على أصول الفقه ومقاصد الشريعة لتحقيق تنمية مستدامة وعادلة منبثقة من الذات الحضارية للأمة.
المصادر والمراجع الأساسية للبحث:
القرآن الكريم بروايات وتفسيرات أمهات كتب التفسير (تفسير الطبري، تفسير ابن كثير، المحرر الوجيز).
الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات في أصول الشريعة. دار ابن عفان.
عودة، عبد القادر. التشريع
.....
«إشكالية مصطلح المساواة والعدالة بين النصوص الإلهية المطلقة والتشريعات الوضعية: دراسة تحليلية مقارنة في ضوء الضوابط الشرعية والفلسفة القانونية»

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق