الاثنين، 28 سبتمبر 2026

عيد الاستقلال. بقلم أيمن حسن محمد

 عيد الاستقلال.                         بقلم أيمن حسن محمد

كان أبو محمد يخرج كل صباح إلى أرضه، عاصبًا رأسه بقطعة قماش، يحمل منجله، ويقضي نهاره بين الأعشاب والأشجار؛ يزيل ما يضرّها، ويقلّم أغصانها، ويحرث الأرض.

كانت تجاعيد وجهه تحكي قصص السنين، وكانت يداه المتشققتان تحكيان قصة حب طويلة مع شجرة زيتون أو رمان أو تين أو تفاح. كان يشعر أن كل شجرة زرعها واحدة من أولاده، لذلك كان يغضب إذا قطف أحد أحفاده ثمرة قبل أوانها.

وكان يقول دائمًا:

— العمل عبادة.

كان أبو محمد صاحب أدب وعلم، لكنه كان يكره العصبية بكل أشكالها.

في أحد الأيام عاد إلى البيت بعد يوم شاق، فإذا بابنه محمد يسب ويشتم ويلعن هذا ويقدح ذاك.

نظر إليه أبو محمد، وظل يهز رأسه قليلًا، ثم قال:

— لماذا تسب وتشتم يا محمد؟

قال محمد غاضبًا:

— لأنهم يلعنوننا يا أبي! والله لن أسكت. كما يسبوننا سنسبهم.

وضع أبو محمد منجله في سلة القش وقال ببرود:

— بس مين الحمار؟ أنت ولا هم؟

غضب محمد:

— يعني أدعهم يسبونني؟

— لا. بس أنت لا تشتم ولا تسب. ببساطة، لا تتواصل مع هكذا ناس.

صمت محمد، ولم يعجبه كلام أبيه.

وبعد قليل قال:

— أبي، غدًا عيد الاستقلال. ألا تذهب إلى الاحتفال؟ دبكات وخطابات...

ضحك أبو محمد:

— والله أنت لا يهمك الاستقلال، أنت ذاهب لترى البنات أو تمسك يد فتاتك أثناء الدبكة!

ضحك محمد وقال:

— أبي، لقد ذهب الاستعمار إلى غير رجعة.

نظر إليه أبو محمد وقال بهدوء:

— بعد الطعام سأقول لك لماذا نحن في احتلال أصعب من قبل.

نادى زوجته:

— أم محمد، ضعي لي كاسة شاي، وحبتين زيتون، وبيضتين مسلوقتين وبصلة... إني جائع.

أغلق محمد هاتفه ووضعه جانبًا، وبقي ينتظر.

أنهى أبو محمد طعامه، واستلقى على الأريكة، ثم أشعل لفافة تبغه.

قال محمد:

— أبي، لماذا تقول إن الاستعمار لم يذهب، وإننا لم نستقل؟

نظر إليه أبو محمد نظرة شفقة وقال:

— اجلس يا ولدي.

جلس محمد.

— ماذا تتابع يا بني على وسائل التواصل؟

— القنوات والصفحات الدينية.

— ولماذا؟

— لأننا مسلمون يا أبي، ويجب أن نعرف أمور الدين.

سكت أبو محمد لحظة، ثم قال:

— والذي كنت تشتمه، هل هو مسلم؟

ضحك محمد:

— نعم، لكنه من غير طائفتي.

ابتسم أبو محمد بسخرية:

— أحسنت! لقد صنعت خيرًا عظيمًا. هو قدح أمك، وأنت قدحت أمه. سب أختك، فسببت أخته. يا لها من أخلاق إسلامية رائعة!

ثم أخذ نفسًا من لفافته وقال:

— إي، يا هكذا دين... أو بلاه!

نظر محمد إلى أبيه ولم يعرف هل يضحك أم يغضب.

تابع أبو محمد:

— يا حيوان، هل فكرت يومًا لماذا كثرت القنوات الدينية؟

لم يجب محمد.

— صار لكل طائفة عشرات القنوات والصفحات، وكل واحد يقول: نحن الديانة السماوية الحق، والباقي وضع بشري. هذا ينكر نبيًا، وذاك يطعن في نبي، وهذا يسخر من فيلسوف ومفكر، وذاك ينتقدهم لأنهم يصلّون مسبلين أيديهم، وآخر ينتقدهم لأنهم يعقدونها.

ثم قال ساخرًا:

— انظر كيف يغنون في الكنيسة! القرآن محرّف! الإنجيل محرّف! التوراة لا وجود لها! وكل واحد منهم وحده يملك الحقيقة.

أخذ نفسًا من لفافته وقال:

— لقد أصبحنا يا ولدي قطيعًا... لا نفكر.

قاطعه محمد:

— يعني يا أبي أننا لسنا على الحق؟

نظر أبو محمد إليه وقال:

— لا يا بني، نحن لسنا على حق.

صُدم محمد:

— أبي! ماذا تقول؟ وهذه الطقوس والصلوات التي نقيمها؟ ما هي؟ أليست حقًا؟

أخذ أبو محمد رشفة من الشاي وقال:

— ليس كما فهمت يا غبي! نعم، الصلاة حق، والطقوس حق إذا كانت تشير إلى إله واحد. لكن المشكلة ليست هنا.

سكت قليلًا، ثم سأل:

— قل لي يا ولدي، لماذا الغرب متقدم علينا؟

أجاب محمد:

— كله من علومنا.

— طيب، ولماذا لم نتقدم نحن؟ ولماذا ما زلنا نتابع القنوات المتعصبة؟

لم يجد محمد جوابًا.

قال أبو محمد:

— لأنهم أعطوا العقل مكانه. انظر كيف يستقطبون العلماء والمفكرين والأدباء والمخترعين، ويفتحون لهم أبواب العلم والعمل.

قال محمد:

— أكيد يستقطبون رجال الدين أيضًا.

ضحك أبو محمد:

— حسنًا يا ولدي، ماذا يستفيدون منهم؟

فكر محمد قليلًا:

— لا أعرف.

— إذا كان رجل الدين عالمًا أو فيلسوفًا، فمرحبًا به. أما غير ذلك، فيتركون له قناته وصفحته حتى يحشو رأسك تبنًا!

ابتسم محمد رغمًا عنه.

تابع أبو محمد:

— ألا تتساءل يا بني لماذا عندهم الحرية الإنسانية، والتطور، والعلم، ثم نقول عنهم: بلاد الكفار؟

سكت قليلًا، ثم قال:

— أتدري أنهم ربما يقدّسون الصلاة أكثر منا؟

تعجب محمد:

— كيف؟

قال أبو محمد:

— لأنهم يصلّون بالعلم. هذا بالفيزياء، وهذا بالرياضيات، وهذا بالفلسفة، وهذا بالكيمياء، وذاك بالاختراع. كل واحد منهم يبحث ويتعلم ويكتشف. لكننا لا نفهم تسبيحهم.

ساد الصمت في الغرفة.

أطفأ أبو محمد لفافة تبغه، ثم قال:

— اذهب ونم يا ولدي. غدًا عيد الاستقلال.

نهض محمد واتجه نحو الباب.

ناداه أبوه:

— ألا تذهب إلى الاحتفال؟

توقف محمد، ثم التفت إليه.

— لن أذهب يا أبي.

تعجب أبو محمد:

— ولماذا؟

ابتسم محمد وقال:

— حتى يتحرر عقلي ويستقل.

نظر أبو محمد إليه طويلًا، ثم ابتسم.

وقال:

— الآن فقط فهمت معنى الاستقلال.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق