الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

حين توارى مهجة الروح..خلف الغيوم..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين توارى مهجة الروح..خلف الغيوم..!

مذ تواريت خلف الغيوم يا إبني،تغيّر كل شيء في داخلي..

مات شيء جميل في القلب،وانطفأت مصابيح كثيرة كنت أظنها لا تنطفئ.صرت أمضي في الحياة بوجه الرجل الذي أثقلته الخسارات،وأحمل في صمتي ما تعجز الكلمات عن حمله.

منذ رحيلك،لم تعد الأشياء كما كانت.الأماكن التي كانت تمنحني الألفة صارت تذكّرني بالغياب، والأيام التي كانت تمر خفيفة أصبحت ثقيلة كأنها تعرف أن في القلب مقعدا شاغرا لا يجلس عليه أحد.

يا غسان..

كنت أظن أن الإنسان يتعلم من الخسارة كيف يكون أكثر صلابة،لكنني اكتشفت أن بعض الخسارات لا تعلّمنا الصلابة،بل تعلّمنا كيف نواصل السير ونحن نحمل كسرا لا يراه أحد.!

أصبحت،بعدك،رجل الخسارات الكبرى..أما أرباحي، فـ"سقط متاع"..

أشياء صغيرة لا تساوي في ميزان القلب شيئا أمام غيابك.فما قيمة ما نملك حين يغيب من كان وجوده يمنح لكل الأشياء معناها ؟!

ومع ذلك،لا أريد لرحيلك أن يكون خاتمة الحكاية. سأظل أكتبك،لا لأستجدي الشفقة،ولا لأستعيد ما لا يعود،وإنما لأن الكتابة أصبحت طريقتي في أن أضع يدي على موضع الوجع،وأن أقول للعالم إن وراء كل أب صامت حكاية لا يعرفها أحد.!

يا مهجة الروح..

لقد أخذ الرحيل جسدك،لكنه لم يأخذ أثرك.تركت في القلب فراغا لا يملؤه أحد،وفي الذاكرة ضوءا لا تطفئه السنوات.وسأظل،ما بقي في العمر بقية، أبحث عنك بين الكلمات والغيوم،لعل الحروف تمنحني بعضا مما عجزت الحياة عن منحي إياه: لحظة أخرى معك..!

أصعب ما في رحيلك أنك لم تترك لي حتى فرصة الوداع التي تليق بمن أحببت.مضيتَ إلى الغياب، وتركتني هنا أتعلم وحدي كيف يعيش الإنسان بنصف قلب،وكيف يبتسم وفي داخله جنازة لا تنتهي..!

وسيظل أقسى ما في الحكاية أنني،كلما اشتقت إليك،لن أملك سوى أن أرفع عيني إلى الغيوم..ثم أتذكر أنك هناك،وأنني هنا،وأن المسافة بيننا لم تعد طريقا يمكن قطعه،بل موتا لا سبيل إلى عبوره.

رحمك الله يا غسان..فقد رحلتَ مرة،لكنني منذ رحيلك أموت فيك ألف مرة..!


محمد المحسن 


-اعتذار إلى قرائي الكرام

أعتذر إليكم عن هذا الإيغال في المراثي،وعن كثرة ما أثقلت به صفحاتي من نصوص الفقد والوجع،فما كنت يوما من عشاق الحزن،ولا اخترت أن أجعل من الكتابة مأتما مفتوحا.

لكن بعض الأوجاع لا تستأذننا حين تأتي،وبعض الفقد لا يترك للمرء ترف اختيار ما يكتب.وما أكتبه هذه الأيام ليس نزوعا إلى الحزن،بل قسر إرادة، ومحاولة لاستبقاء شيء من روح إبني بالكلمة، بعدما غاب جسده إلى الأبد.

أعرف أنكم شركاء في ما أكتب،وأقدر صبركم ومحبتكم،وأرجو أن تلتمسوا لي العذر..فهذه مرحلة أثقل من قدرتي على الصمت.

مودتي وامتناني لكم جميعا.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق