الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

الثقافة ذاكرة وطن بقلم الكاتبة / فريحه سليمان المريمي

 الثقافة ذاكرة وطن


بقلمي / فريحه سليمان المريمي


ليست الثقافة ترفاً نلجأ إليه حين تضيق بنا الحياة.  وليست كُتباً تُرصّ على الرفوفِ ، أو كلمات تُقال في المناسبات ، إنما هي الذاكرة الحية التي تحفظ للأوطانِ ملامحها ، وللإنسان جذورهِ ، وللمجتمعِ قدرته على معرفةِ نفسهِ ، وأستشراف مُستقبله .

وفي وطننا ، حيث تتعانق الجغرافيا مع التاريخِ ، وتتجاور المدن والواحات والجبال والصحراء والساحل ، تتعدد روافد الثقافة وتتنوع صورها ، من الحكايةِ الشعبيةِ والأمثال والأغاني القديمة ، إلى العمارة والأسواق والمهن والحرف ، ومن الشعر والرواية إلى الموروث الإجتماعي الذي تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل .

إن حماية الثقافة ، لا تعني الوقوف عند الماضي ، وإنما تعني أن نأخذ من الماضي ما يمنح الحاضر معنى ، وما يساعد الأجيال الجديدة على فهم المكان الذي ينتمون إليه .

فحين تضيع الحكايات تضيع معها تفاصيل حياة كاملة ، وحين تُهمل البيوت القديمة والأسواق والمواقع التاريخية ، لا نخسر حجارة صامتة فحسب ، بل نخسر صفحات من ذاكرتنا الوطنية .

ولذلك فإن مسؤولية الثقافة لا تقع على المؤسساتِ وحدها ، فالأسرة مدرسة أولى ، والمدرسة حاضنة للوعي ، والإعلام شريك في التوثيقِ ، والكاتب شاهد على عصرهِ ، والشاب ليس مجرد مُتلقٍ للتراثِ ، بل قادر على إعادةِ تقديمه بلغةٍ العصر ووسائله الحديثة .

نحن بحاجة إلى ثقافة تُقرّب الشعب من بعضهِ ، وتعرّف أبناء الوطن بتنوعهم ، وتُعلّم الأجيال أن الإختلاف في اللهجاتِ والعادات والتقاليد لا يلغي وحدة الذاكرة ، بل يثريها .

فالأوطان لا تُبنى بالطرقِ والجدران وحدها.  تُبنى أيضاً بالوعي ، وبحفظِ الذاكرةِ ، وصون التراث ، وأحترام الإنسان الذي يحمل هذا التراث ويمنحه الحياة .

إنقاذ الذاكرة الثقافية اليوم ليس حفاظاً على الماضي فقط ، بل حماية للمستقبلِ من أن يبدأ بلا جذور .

لذلك ، فإن الحفاظ على الثقافة مسؤولية تبدأ بخطوة بسيطة ، بأن نوثّق حكايات كبار السن ، ونحفظ الصور والوثائق القديمة ، ونعرّف أبناءنا بتراث مدنهم وقراهم ، ونشجّع الكتاب والفنانين والباحثين على تقديم الموروث الثقافي بلغةً مُعاصرة تصل إلى الأجيالِ الجديدةِ .

فلنبدأ من محيطنا القريب ، من حكاية نسمعها في البيتِ ، أو مبنى قديم نمرّ به ، أو حرفة تكاد تختفي ، أو أغنية شعبية تحمل ذاكرة مكان .

ولنجعل من كل حكاية محفوظة ، وكل صورة مُوثقة ، وكل شهادة مُسجلة ، لبِنة في أرشيف ثقافي ، يظل متاحاً للأجيالِ القادمةِ .

إن الثقافة لا تُصان بالكلماتِ وحدها ، بل بالفعلِ ، فلنبدأ اليوم في جمعِ ذاكرتنا ، وتوثيقها ، وتعريف أبنائنا بها ، حتى يبقى الوطن حاضر في ذاكرتهِ ، كما هو حاضر في جغرافيتهِ .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق