الخميس، 24 سبتمبر 2026

الانفصام قصة قصيرة بقلم الكاتب أيمن حسن محمد

 الانفصام

قصة قصيرة بقلم أيمن حسن محمد

كان صديقي يُدعى «الدون».

أُطلقت عليه أسماء كثيرة؛ «الراهب الأسود»، و«دون كيشوت». أما أنا فكنت أفضل الاسم الثاني، لكثرة مغامراته العقلية التي كانت أحيانًا مضحكة، وتصرفاته التي لا تخلو من الطرافة.

كان الدون يتمتع بالنشاط والحيوية، وتبدو عليه، حين تراه، علامات الاتزان الجسدي؛ لكن أفكاره كانت تسير في اتجاه آخر تمامًا.

في كل صباح كان يبحث عن ظرف قهوة جاهز، وغالبًا لا يجده عنده، فيستعيره من أحد جيرانه الذين كانوا يحبونه، هو و«نهفاته» التي لا تنتهي.

يجلس على كرسيه، يضع رجلًا فوق رجل، ويثبت طاقيته على رأسه، ثم يحدق في البعيد ورأسه مرفوع، كأنه يرى شيئًا لا نراه.

ربما كان يستعيد ماضيه...

سياراته، أمواله، النساء، الأضواء الحمراء، والمشاريع التي لم تكن تنتهي.

كان جميع أهل القرية يعرفون قصته.

قصة الدون.

أو «الراهب الأسود»، كما أطلقوا عليه بعد أن خسر كل أمواله.

بعدها تغيّر الرجل.

أصبح يتحدث في الدين وأحكامه، والقرآن وتفسيراته، والأنبياء والوجود، ويتنقل من فكرة إلى أخرى كما يتنقل المسافر بين المدن.

لكن كل كلامه كان يشبه مغامراته العقلية؛ غريبًا، مضحكًا أحيانًا، ومربكًا في أحيان أخرى.

وكان أكثر ما يحيرني فيه أنني لم أكن أعرف أين ينتهي الواقع عنده، وأين يبدأ الوهم.

ذات يوم أنهى قهوته بسرعة، ولبس حذاءه القديم، وأشعل سيجارته، ثم خرج بخطوات واثقة.

كان جسده نحيلًا، ورأسه يتقدم إلى الأمام كأنه يعرف تمامًا إلى أين يتجه.

رسم على وجهه علامات النصر؛ أو لعل التجاعيد الكثيرة التي غطته كانت أخاديد حزن قديم يحاول أن يخفيها بابتسامة المنتصر.

كان يمشي وكأنه انتصر للتو على شيطان الفقر.

شاهد صديقه الذي كان يشفق عليه كثيرًا، فناداه:

— إلى أين يا دون؟

لم يجبه، بل تابع سيره.

توقفا أمام محطة وقود.

نظر الدون إلى المحطة وقال بثقة:

— سأشتريها.

نظر صديقه إليه، ثم إلى المحطة، وكأنه لم يفهم شيئًا.

كان ثمنها يقارب ثلاثمئة ألف دولار.

نظر صاحب المحطة إلى الدون من رأسه إلى قدميه: حذاء قديم، وثياب مهترئة، وسيجارة بين أصابعه. ثم نظر إلى الدراجة النارية التي جاءا بها، والتي لا تعمل بالوقود أصلًا، بل تحتاج إلى الدفع كي تتحرك.

نظر إلى صديقه، ثم عاد ببصره إلى الدون.

وقال في نفسه:

«هذا يريد أن يشتري المحطة؟»

ثم قال:

— حسنًا... اتفقنا.

ابتسم الدون.

وفي تلك اللحظة بدا وكأنه استعاد كل شيء دفعة واحدة: العز، والجاه، والمال، والمشاريع التي ضاعت منه.

صافح الرجل، ووعده أن يعود إليه في اليوم التالي لإتمام الصفقة.

خرج الدون من المحطة منتصرًا.

أما صديقه فظل ينظر إليه مصدومًا.

صاح الدون به:

— لم ننتهِ من عملنا بعد!

كان صديقه يعيش حالة من الصدمة، بل شعر أن الدون قد سلبه وعيه.

راح يحدث نفسه:

«أنا المجنون... أم هو؟»

لكن الدون لم يمنحه وقتًا للتفكير، وأجبره على مرافقته إلى المدينة بحجة أن هناك عملًا ضروريًا.

توقفا أمام مبنى ضخم كُتب على واجهته:

شركة أ.س للاستيراد والتصدير.

نظر الصديق إلى المبنى، ثم إلى الدون، وقال متوسلًا:

— أرجوك يا دون... لا تحرجنا أكثر من ذلك.

ابتسم الدون وقال:

— يا أحمق، ستعيش فقيرًا طوال حياتك إذا بقيت تفكر بهذه الطريقة.

دخل الدون إلى الشركة وكأنه صاحبها.

وبعد دقائق كان أمام مديرها يشرح له مشروعه بثقة عجيبة.

انفجر المدير بالضحك عندما سمعه يقول إنه يريد تصدير مادة الزيت عن طريق شركته.

سأله المدير:

— وأنت ماذا تعمل؟

أجابه الدون بكل هدوء:

— أنا صاحب محطة وقود.

نظر المدير إلى صديقه، ثم عاد إلى الدون.

تابع الدون شرح فكرته؛ فهو، بعد أن أصبح صاحب محطة وقود، يحتاج إلى مادة يستطيع من خلالها تحويل الزيت المحروق ومخلفات المواد البترولية إلى مازوت.

كان المدير على موعد مع اجتماع، ولم يكن لديه وقت طويل.

وحين انتهى الدون من كلامه، أخرج المدير دولارًا من جيبه ومدّه إليه:

— خذ، اشترِ لنفسك فنجان قهوة. لدي اجتماع الآن، ونتحدث بهذه الترهات لاحقًا.

أخذ الدون الدولار.

ابتسم.

وشكر المدير بحرارة.

خرج مع صديقه.

قال له صديقه:

— أعطاك دولارًا كي يتخلص منك!

نظر إليه الدون بثقة وقال:

— لا... أعطاني رأس مال أول صفقة.

عمت بشائر الفرح وجه الدون.

عاد إلى منزله بخطوات الواثق، وكأنه عاد من رحلة عمل ناجحة.

جلس على كرسيه وأغمض عينيه.

وبدأت الأشياء تتشكل أمامه:

محطة بترول...

استيراد وتصدير...

نساء...

أضواء حمراء...

مال...

سيارات...

ومشاريع لا تنتهي.

كان يبتسم.

وفي تلك الليلة نام الدون منتصرًا.

---

استيقظ في الصباح.

فتح عينيه ونظر حوله.

لا محطة وقود.

لا شركات.

لا سيارات.

لا أموال.

فقط غرفته القديمة، وحذاؤه البالي، وملابسه المهترئة.

نهض، وأصلح طاقيته فوق رأسه، ثم خرج من المنزل.

اتجه إلى بيت جاره.

طرق الباب.

فتح له الرجل.

قال الدون بكل هدوء:

— صباح الخير... هل لديك ظرف قهوة جاهز؟

أعطاه الجار الظرف، وهو يبتسم.

أخذه الدون وعاد إلى كرسيه.

جلس، ووضع رجلًا فوق رجل، وأشعل سيجارته.

كان كل شيء كما كان بالأمس.

إلا شيئًا واحدًا فقط...

كان الدون هذه المرة يبتسم بثقة أكبر. او ربما يستعد لمغامرة أخرى


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق