(اعترافات كاتب..)
حين خذلتنا الثورة..وبقي الاعتراف..!
تصدير :
"الثورة يفجرها مغامر،ويخوض غمارها ثائر، ويجني ثمارها جبان"
كان عليّ،منذ الإشراقات الأولى للثورة التونسية، أن أفصل بوضوح بين "تخميرتي الثورجية" التي كانت،مثل كثيرين،وليدة لحظة جماعية مشحونة بالأمل،وبين موضوعيتي الكتابية التي يفترض أن تظل عصية على الانفعال،وأن تضع الحقيقة فوق الحماسة،والوقائع فوق الأمنيات.
لكن الإنسان،حين تعصف به لحظة تاريخية كبرى، قد يرى في وهجها ما يتمنى أن يكون،لا ما سيكون بالضرورة.
ومع مرور السنوات،أدركت أن البون شاسع بين الفعل الثوري بوصفه توقا إلى الحرية والكرامة والعدالة،وبين الهدف الانتهازي الذي قد يتسلل إلى المشهد حين يركب البعض موجة الثورة بعد انطلاقها،فيحولون الحلم الجماعي إلى سلّم لمصالحهم الخاصة.
لقد اختلطت حسابات البيدر بالحقل،وتبددت،شيئا فشيئا،تلك الفرحة الأولى التي ظننا أنها بشارة بفجر جديد.وركب"ثورجيون جدد" سروج الثورة في الساعة الخامسة والعشرين،وتحدثوا باسمها، بينما انحرفت بعض المسارات عن الأسئلة الكبرى التي أشعلت شرارتها الأولى.وهكذا تحولت وعود كثيرة إلى زبد،وصارت أحلام واسعة أشبه بطواحين ريح تدور كثيرا ولا تطحن شيئا.!
أما أنا،فقد وجدت نفسي أراجع كثيرا من مواقفي القديمة،وأتأمل حبرا غزيرا أنفقته ذات حماس، وأحلاما آمنت بها كما آمن بها الملايين.
لم يكن الندم على الحلم،فالحرية لا تُندم،والكرامة لا تُندم،والعدالة لا تُندم،وإنما الندم على سوء التقدير،وعلى أننا لم نكن نرى آنذاك كل ما تكشف لنا لاحقا.
ومع ذلك،لا أريد أن أحاكم الأمس بعين اليوم،لأن اللحظات التاريخية لا تُقرأ دائما من نهاياتها،بل من ارتباكات بداياتها.ولا أحد منا كان معصوما من الخطأ في التقدير.
ولعل الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة،بل شكل من أشكال النضج،فالإنسان لا يكبر حين يصر على صحة كل ما قاله،وإنما حين يمتلك شجاعة مراجعة نفسه،والاعتراف بأن بعض أحلامه كانت أكبر من قدرته على قراءة الواقع.
قد تنحرف الثورات،وقد يخونها بعض الذين ركبوا موجتها،وقد تتكسر على صخرة المصالح أحلام الذين أشعلوا شموعها الأولى..لكن الاعتراف الصادق يبقى نافذة مفتوحة في جدار الندم.فما خسرناه بالأمس لا ينبغي أن يمنعنا من أن نتعلم كيف نصنع غدا أقل وهما،وأكثر صدقا،وأقرب إلى الإنسان الذي خرج ذات يوم يطلب الحرية والكرامة ولا يريد شيئا آخر..!
ختاما،لم تخذلنا الثورة وحدها،بل خذلتنا أيضا قراءاتنا المتعجلة لها،حين رأينا في الحلم ما تمنيناه أكثر مما رأينا في الواقع ما كان يتشكل.ومع ذلك،لا أخجل من حماس الأمس،بل أخجل فقط من كل يقين لم يترك في داخله نافذة للشك والمراجعة. فالأحلام النبيلة لا تصبح خطأ لأن بعض الذين ركبوا موجتها انحرفوا بها،والخطأ الحقيقي أن نواصل الدفاع عن وهم انكشف،خوفا من الاعتراف بأننا أخطأنا التقدير.
لذلك أكتب اليوم لا لأجلد الماضي،ولا لأتنصل من حبر كتبته ذات حماسة،وإنما لأقول إن أجمل ما يبقى للكاتب بعد انطفاء الضجيج هو صدقه مع نفسه..فالاعتراف،حين يأتي متأخرا،قد لا يعيد لنا ما فقدناه،لكنه يمنحنا بصيرة ألا نفقد ما تبقى.
وفي النهاية..
لم يكن خطؤنا أن حلمنا بالحرية والكرامة،بل أن وثقنا أحيانا بمن جعلوا من الحلم سلما لمصالحهم. وما يؤلم اليوم ليس انكسار الحلم،بل أن ندرك متأخرين أننا رأينا في البدايات ما تمنيناه،لا ما كان يتشكل فعلا.ومع ذلك،يبقى الاعتراف فضيلة،لأن الكاتب الذي لا يراجع نفسه يتحول قلمه إلى شاهد ضد الحقيقة.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق