حين تفتح الكلمة نافذة..في جدار الصمت..!
تصل مشاهدات صفحتي إلى مئات الآلاف شهريا، وهو رقم أستقبله بامتنان،وأرى خلفه وجوها لا أعرفها،ووقتا منحه لي قراء ومتابعون،وثقة لا أتعامل معها باستخفاف.لكنه،في النهاية،يظل رقما..والرقم مهما كبر لا يستطيع وحده أن يمنح النص قيمته.
فكم من محتوى حصد الملايين ثم مرّ من ذاكرة الناس كما تمر الأشياء العابرة،وكم من كلمة لم تحظ إلا بعدد محدود من القراءات،لكنها استقرت في قلب إنسان،أو أيقظت في عقله سؤالا،أو أعادت إليه شيئا من الأمل.
لهذا لم تكن الأرقام يوما غايتي.ما يعنيني أكثر هو ماذا ترك النص وراءه: فكرة،سؤال،موقف، إحساس،أو حتى لحظة تأمل.فالقيمة الحقيقية للكتابة لا تقاس بعدد من مروا عليها،وإنما بما فعلته بمن توقفوا عندها.
وما يزيد هذا الرقم بالنسبة إلي شيئا من الدلالة أن أغلبه جاء من مقالات كتبتها،لا من فيديوهات ولا من بث مباشر.لقد اخترت،عن قناعة،أن أراهن على الكلمة،رغم أن زمن السرعة لا يرحم النصوص الطويلة،ورغم أن الكتابة طريق شاق لا يختصره زر ولا ترفعه خوارزمية.!
بالنسبة إلي،الكتابة ليست حرفة أؤديها فحسب، ولا وسيلة لاستدراج المشاهدات.إنها شغف قديم، ورفقة عمر،وربما الملاذ الأخير حين تضيق بنا الأشياء.وكلما اتسعت دائرة القراء،لم أشعر بأنني أصبحت أكثر أهمية،بل شعرت بأن مسؤوليتي أصبحت أكبر.
لقد علمتني سنوات الكتابة الصحفية أن الكلمة ليست بريئة دائما،وأنها قد ترفع مظلوما،وقد تجرح بريئا،وقد تفتح نافذة في جدار الصمت،كما قد تصنع ظلما إذا خرجت بلا تثبت أو ضمير.لذلك أحاول أن أكتب بقدر ما أستطيع من صدق ونزاهة،وأن أقترب من الحقيقة دون ادعاء امتلاكها كاملة،وأن أقول ما أراه جديرا بأن يقال، حتى وأنا أعترف بأنني أخطئ أحيانا وأصيب أحيانا أخرى.
ونحن بشر أيضا..قد يأخذنا الحماس،وقد تثقلنا الفكرة فنطيل،وقد تستنزفنا التفاصيل.فالكتابة الحقيقية ليست نزهة بين الكلمات،إنها أحيانا اقتطاع من العمر،واستنزاف من الروح،وصراع طويل مع الفكرة قبل أن تجد طريقها إلى الورق.
ومع ذلك..نستمر.
نستمر لأن هناك قارئا ينتظر،وفكرة تستحق أن تولد،ووجعا يحتاج إلى من يترجمه،ومظلوما يحتاج إلى صوت،وصمتا يحتاج إلى من يكسره بالكلمة.
وفي النهاية،قد ينسى الناس الرقم،وقد تتغير الأرقام وتتراجع،لكن الكلمة الصادقة لا تنتهي بانتهاء عدد المشاهدات.يكفيني أن أعرف أن نصا كتبته بصدق عبر إلى قلب إنسان،أو أيقظ في عقل قارئ سؤالا لم يكن قد طرحه من قبل.هناك فقط تصبح الكتابة جديرة بكل هذا العناء..ويصبح للكلمة معنى يتجاوز الرقم.
شكرا لكل من قرأ،وتابع،وناقش،وانتقد،وشجع، فأنتم لستم رقما في سجل المشاهدات،بل أنتم المعنى الذي يجعلني أواصل الكتابة..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق