السبت، 5 سبتمبر 2026

تفاعلا مع مقال الأستاذ الطاهر عسيسيلة التجزئة ليست شماعة التخلف..لكنها ليست بريئة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 تفاعلا مع مقال الأستاذ الطاهر عسيسيلة

التجزئة ليست شماعة التخلف..لكنها ليست بريئة..


تصدير :

-النهضة لا تتقدم تلقائيا في ما يشبه الحتمية، والحضارة لا تتأثر بمجرد الإستخدام الميكانيكي للآلات،والثورة لا تنجز مهامها بالأدعية والأمنيات. بل الإنسان هو صاحب المعجزة.والمعجزة لا”تتحقق” إلا بإرادة الإنسان..حين ينتصر العقل الجديد والوجدان الجديد وكذا الرؤيا الجديدة نهائيا،على فجوة الإنحطاط..( الكاتب)


قرأت باهتمام مقال الأستاذ والباحث الطاهر عسيسيلة،وأتفق معه في رفض اختزال التخلف العربي في عامل واحد هو التجزئة.فصغر الدولة أو محدودية مواردها لا يمنع بالضرورة بناء مؤسسات قوية أو اقتصاد منتج أو مجتمع معرفي،والتاريخ الحديث يقدم نماذج لدول صغيرة حققت تقدما يفوق حجمها الجغرافي والديمغرافي.

لكن،في المقابل،لا أرى أن التجزئة عامل هامشي يمكن التقليل من أثره.فالتاريخ يعلمنا أن الانقسام السياسي كان في كثير من الأحيان بوابة للضعف والتدخل الخارجي.

ولعل تجربة الأندلس وملوك الطوائف خير شاهد. لم تسقط الأندلس بسبب نقص العلماء أو ضعف الإنتاج الحضاري،بل كانت في أوج ازدهارها العلمي والثقافي.غير أن التفكك السياسي والصراع بين الإمارات جعل كل طرف يبحث عن بقائه،حتى بالاستعانة بالخصوم ضد أبناء المجال الحضاري الواحد.وهنا تظهر إحدى حقائق التاريخ القاسية: حين يتقدم الصراع الداخلي على مواجهة الخطر الخارجي،يصبح السقوط مسألة وقت.

وفي العصر الحديث،لم تكن الحدود التي قسمت المجال العربي مجرد خطوط جغرافية محايدة،بل ساهمت في تحويل فضاء حضاري واقتصادي واسع إلى دول وأسواق صغيرة ومتفرقة،لكل منها حساباتها وأولوياتها.وهذا لا يعني أن إلغاء الحدود هو الحل السحري،لكنه يعني أن التجزئة أضعفت القدرة على بناء قوة اقتصادية واستراتيجية مشتركة.

أما في الجانب الذي ركز عليه الأستاذ الطاهر عسيسيلة،وهو أزمة العقل والمعرفة،فأعتقد أنه يمثل بالفعل أحد جذور المشكلة.فلا نهضة حقيقية دون عقل نقدي قادر على فحص التراث والتاريخ والسلطة،ودون انتقال من التعامل مع المعرفة باعتبارها موروثا مغلقا إلى اعتبارها مجالا دائما للسؤال والتجديد.

كما أن أزمة الفكر السياسي العربي لا تقل أهمية. فقد بقيت أسئلة الدولة والسلطة والمواطنة والمساءلة وتداول الحكم أقل تطورا من الحاجة التي فرضها العصر الحديث.وفي غياب مؤسسات سياسية قوية،تميل السلطة إلى البحث عن شرعيتها في القوة أو الأمن أو الأيديولوجيا بدلا من القانون والمساءلة.

لكن العقل النقدي نفسه لا ينمو في الفراغ. فالحرية شرط للإبداع،واستقلال الجامعة شرط لإنتاج المعرفة،والمؤسسات القوية شرط لتحويل الأفكار إلى واقع.لذلك لا يمكن فصل الأزمة المعرفية عن الأزمة السياسية والمؤسساتية.

ومن هنا،فإن الخطأ هو البحث عن سبب واحد للتخلف العربي.فالتجزئة ليست التفسير الوحيد، لكنها ليست بريئة أيضا.والاستبداد ليس المشكلة الوحيدة،لكنه من أخطر أسباب استمرارها. والجمود الفكري ليس قدرا تاريخيا،لكنه يعرقل القدرة على التجديد.

إن الأزمة العربية هي نتيجة تفاعل عدة عوامل: ضعف المؤسسات،وغياب المساءلة،وأزمة المعرفة، والتجزئة السياسية،والتدخل الخارجي،وهشاشة الاقتصاد المنتج.

ولهذا فإن تجاوز التخلف لا يكون بإعادة رسم الخريطة وحدها،كما لا يكون بالحديث عن إصلاح العقل بمعزل عن الواقع السياسي. 

المطلوب هو بناء دولة حديثة تقوم على المواطن والقانون والمساءلة،بالتوازي مع بناء فضاء عربي أكثر تكاملا في الاقتصاد والعلم والثقافة والمصالح الاستراتيجية.

فالوحدة بلا حرية قد تنتج استبدادا أكبر،والحرية بلا مؤسسات تبقى هشة،والدولة الصغيرة ليست محكومة بالفشل،لكنها تصبح أقوى حين تعمل ضمن فضاء أوسع من التعاون والتكامل.

الخلاصة أن الأستاذ الطاهر عسيسيلة أصاب حين بحث عن الجذور العميقة للأزمة،لكن التجزئة تظل جزءا من هذه الأزمة وليست مجرد نتيجة لها. فنهضتنا تحتاج إلى عقل نقدي،ومؤسسات قوية، وسلطة خاضعة للمساءلة،وتكامل عربي قائم على المصالح لا الشعارات.

فالتاريخ لا ينهض بالأمم الموحّدة جغرافيا فقط، ولا بالأمم المثقفة نظريا فقط،بل بالأمم التي تنجح في تحويل المعرفة إلى مؤسسات،والحرية إلى قانون،والتعاون إلى قوة.

وفي النهاية،يبقى الاختلاف في قراءة المشهد العربي المترجرج اختلافا مشروعا،بل ضروريا،ما دام منطلقه الفكر والبحث الصادق والرغبة في الوصول إلى الحقيقة.وإن اختلفتُ مع الأستاذ والباحث الطاهر عسيسيلة في بعض زوايا الرؤية والتفسير،فإن ذلك لا يحجب عني قدرته المعرفية العالية وعقله النقدي الجريء،وقدرته على إثارة الأسئلة العميقة التي تحتاجها أمتنا أكثر من الإجابات الجاهزة.فالعقول الكبيرة لا تُقاس بمدى اتفاقنا معها،بل بما تفتحه أمامنا من آفاق للتفكير.. فالاختلاف لا يفسد للود قضية،بل قد يكون أجمل تجليات الاحترام بين العقول.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق