بلا وطن...
ظلت طوال عمرها، تقف على رصيف لا يعرفها، تراقب القطارات وهي تأتي وتغادر، وتخبئ في قلبها يقينا صغيرا بأن واحد منها سيحملها ذات يوم إلي حيث تريد.
كلما أطل قطار، أسرعت إليه كمن لمح وطنه بعد غياب، وصعدت قبل حتي أن يسألها أحد عن تذكرتها.
تجلس قرب النافذة، تراقب المدن وهي تتراجع خلف الزجاج، وتترك قلبها يصدق للحظات أن هذه المرة مختلفة.
ثم، بعد مسافة لا تعرف مقدارها، كان شيء خفي فيها يستيقظ...
ذلك الإحساس الذي لايخطئ، أنها تجلس في قطار لا يعرف وجهتها.
فتنزل...
تعود إلى الرصيف، حاملة حقائبها، وبقايا أمل لم يموت.
ثم يأتي قطار آخر.
فتصعد...
وهكذا،
لم تكن حياتها سوى محطات متشابهة، وأبواب تفتح ثم تغلق، ومقاعد عابرة،
ووجهة كلما ظنت أنها اقتربت منها اكتشفت أنها كانت تبتعد.
حتى جاء يوم...
لم تعد فيه لديها رغبة في السفر.
وضعت حقائبها إلي جوارها، تفتحها واحدة واحدة، كأنها تفتش عن شيء أضاعته منذ زمن.
كانت هناك أحلام لم تتحقق، وأسماء بقيت في الجيوب، رسائل لم تجد عنوانا ومفاتيح لأبواب لم تعد تعرف أين كانت.
أخرجت كل شيء…
ثم أعادته مرة أخرى وأغلقت الحقيبة.
إلا شيئا واحدا لم تستطع أن تضعه فيها. شيئا ظل عالقا في مكان ما بين قلبها وذلك الوطن الذي لم تبلغه.
جلست…
هذه المرة لم تكن تنتظر قطارا بعينه.
كانت فقط…
تجلس.
يمر القطار الأول، ثم الثاني، ثم الثالث وهكذا...
وكلما دوى صوت صفارة أحدهم رفعت رأسها قليلا، ثم أعادته إلى مكانه. كأن شيئا فيها ما زال يريد الرحيل، وشيئا آخر لم يعد يحتمل السفر.
وحين أقبل المساء، خفتت أصوات المحطة، وبقي مقعدها وحده تحت ضوء شاحب.
كان بجوارها مقعد فارغ. وضعت عليه يدها للحظة، ثم سحبتها ببطء…
كأنها تذكرت فجأة أنها كانت، طوال الطريق، تنتظر أن يجلس أحد إلى جوارها.
مر قطار أخير.
توقف…
فتح أبوابه.
بقيت تحدق في الباب المفتوح طويلا، حتى بدأ القطار يتحرك من جديد.
وظل القطار يمضي…
وظلت هي هناك، بين وطن لم تصل إليه، ومحطة لم تعد تعرف إن كانت محطة انتظار أم كانت دون أن تدري...
آخر ما تبقى من الرحلة.
قطار يمضي...
مقعد فارغ،
قلب لم يصل.
أحاديث الروح
بقلمي رشا القمحاوي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق