الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

(نافذة مفتوحة على الإبداع السينمائي) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 (نافذة مفتوحة على الإبداع السينمائي)

كوثر بن هنية... من "صوت هند" إلى تأسيس أكاديمية غزة للسينما


انضمت المخرجة التونسية كوثر بن هنية إلى قائمة المؤسسين لأكاديمية غزة للسينما،إلى جانب وجوه فلسطينية وعربية ودولية بارزة.ويأتي هذا الحضور امتدادًا لتجربتها المؤثرة مع فيلمها "صوت هند رجب"،الذي استلهمته من تسجيل حقيقي لاستغاثة طفلة فلسطينية عالقة تحت القصف،وحوّلته إلى عمل سينمائي مزج بين الوثائقي والدرامي.وحقق الفيلم نجاحا كبيرا،إذ نال الأسد الفضي في مهرجان البندقية وترشيحات متعددة،وصولا إلى ترشيحه للأوسكار، مطرحا سؤالا أوسع عن قدرة السينما على إبقاء المأساة حيّة حين تخون الأخبار الذاكرة.

 أما الأكاديمية،التي أُطلقت دوليا على هامش البندقية،فتهدف إلى تدريب أبناء غزة أنفسهم على صناعة الصورة،وقد بدأت برنامجا تدريبيا يمتد تسعة أشهر لـ25 شابة،مع سعي لتطوير مسار جامعي،ليتحول الاستثناء إلى مسار مستدام، وتغدو غزة صانعة لصورتها لا موضوعا لها.

هكذا تحوّلت بن هنية من راوية لمأساة طفلة إلى مؤسسة تمنح جيلا كاملا أدوات السرد والخلاص. فإن كانت السينما استطاعت أن تخلّد صوت هند في وجدان العالم،فإن أكاديمية غزة تراهن على أمر أكثر جرأة: ألا وهو تحويل غزة من أرض تُصوّر إلى عين تُبصر وتُعبّر،وهو ما يضمن ألّا تموت القصة برحيل أخبارها العاجلة،بل تولد كل يوم من مشاهدها ذاتها.

هكذا تحولت بن هنية من حارسة صوت طفلة يتلاشى،إلى مؤسسةٍ لعيون ترقب من تحت الركام.لكن المفارقة الموجعة أن ندرّب هؤلاء الشابات على صناعة الضوء في مدينة تُمارس عليها سياسة المحو،ونعلّمهن الإخراج وهن يغصصن بغبار منازلهن.هذا ليس تعليما،بل انتزاع للحياة من النسيان،وإعلان أن غزة لن تظل أرضا تُصوّر،بل عينا تُبصر،وجرحا يروي نفسه. 

وهكذا تضمن الأكاديمية ألّا تموت القصة برحيل الخبر،بل تولدُ كل يوم من رمادها،حكاية لا يستطيع أي قصف أن يضع لها نقطة النهاية.

يذكر أن الشهيدة هند رجب أصبحت رمزا تجاوز حدود غزة والمنطقة العربية،لتصبح أيقونة عالمية تشير إلى العقلية التي تحرك جنود الاحتلال في قطاع غزة،والتي أبقت طفلة حبيسة الجوع والخوف وإطلاق النار،مستغيثة بوالدتها،قبل أن تمس مأساتها العالم بأسره،ولم تستطع جميع الروايات الإسرائيلية المختلقة كتم صوتها،فقد بقيت روحها حاضرة في ذاكرة العالم.


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق