في التسامح
بقلم سعيدة بركاتي/ تونس
التسامح ليس عباءة يلقيها الضعيف على كتفيه ليغطي بها عجزه ، و لا هو سيف يرفعه القوي ليعلن به انتصاره . التسامح جراحة تجريها الروح لنفسها ، دون مخدر ، كي تنزع الشظية التي لو بقيت لتحولت إلى صديد يأكل صاحبها قبل أن يأكل خصمه .
قيل لنا إن العفو عند المقدرة فضيلة ، فنسي الناس الشطر الثاني : المقدرة ؛ فمتى كنت قادرا على القصاص و اخترت أن تترفع ، كان العفو تاجا من الألماس النادر . و متى كنت عاجزا فسامحت ، كان التنازل قيدا . الفرق بينهما دقيق كحد السيف : الأول يصدر عن امتلاء ، والثاني يصدر عن فراغ .
أنا لا أسامح لأني نسيت ، بل لأني تذكرت أني أكبر من أن أحمل جثة أحدهم في قلبي بقية عمري . لا أسامح لأبرئه ، بل لأبرئني . أعيده إلى حجمه البشري ، و أعيد نفسي إلى مقامي الإنساني ، فالانسانية مرتبة لا يرتقي إليها كل البشر .
التسامح قوة خفية ، نعم . لكنها قوة من يملك أن يحرق و لا يحرق ، أن يهدم و لا يهدم ، أن يقتص و لا يقتص . هي القوة التي تقول للظلم : لن أجعلك سجان قلبي .
فإن كان العفو سيعيد الحق إلى أهله و يصون الكرامة ، فهو الانتصار الأكبر . و إن كان سيمسح حذاء الجلاد على وجه المظلوم ، فهو تواطؤ .
و لذلك أسامح ، لا لأن العالم جميل ، بل لأني لا أريد أن أجعل قلبي ساحة خراب يشبهه .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق