الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

في حضرة الغياب..الموت لا يوجع الموتى،بل يوجع الأحياء..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 في حضرة الغياب..الموت لا يوجع الموتى،بل يوجع الأحياء..!

تصدير:

"إذا أردتَ ألا تخشى الموت،  فإنّ عليك ألاّ تكفّ عن التفكير فيه" (snénèque)


مرّت عليّ عشر سنوات كانت الأقسى في حياتي..عشر سنوات لم تكن مجرد أيام عبرت،بل كانت أعواما ثقيلة،ترك كل عام منها ندبة جديدة في القلب.

لم أكن أتوقع يوما أن تجتمع عليّ كل هذه الخسارات،وأن يصبح الحزن رفيقا دائما لا يغادرني.

رحل ابني..ابني الأقرب إلى نفسي،قطعة من روحي التي كانت تمشي أمامي على هيئة إنسان. ومنذ رحيله،لم يعد شيء كما كان. 

هناك أوجاع لا تُشفى،لأن الذي ننتظر شفاءه ليس جرحا في الجسد،بل فراغ تركه الغياب في الروح.

ثم تباعد عني أقرب الأصدقاء،أولئك الذين كنت أظن أن وجودهم في حياتي ثابت لا تهزه الأيام. واكتشفت،في أكثر لحظات العمر قسوة،أن بعض البشر يبتعدون حين نكون في أمسّ الحاجة إلى كتف نستند إليه.

ولم تتوقف الخسارات عند هذا الحد..فقد دُمّر بيتي الذي كان حلم عمري،البيت الذي وضعت فيه تعبي وأمنياتي وذكرياتي،فتحوّل حلم طال انتظاره إلى وجع جديد يضاف إلى قائمة الأوجاع.

بعد كل ذلك،ماذا بقي للحياة من نكهة ؟!

أنا لا أقول إنني متّ..فجسدي ما زال يتحرك بين الناس،أتحدث وأبتسم أحيانا،وأردّ التحية،وأحاول أن أبدو طبيعيا.لكن الحقيقة التي لا يراها أحد هي أن في داخلي إنسانا أنهكته الخسارات حتى صار يعيش بنصف روح.

أنا ميت من الداخل... وإن بدا لكم أنني ما زلت على قيد الحياة.

ومع ذلك،يأتيني البعض ويسألني بكل بساطة:

لماذا تبدو حزينا ؟!

وكأن الحزن قرار يمكنني إلغاؤه،وكأن الفرح ثوب أرتديه متى شئت !

هل تريدون مني أن أصطنع الابتسامة وأنا أحمل كل هذا الركام في قلبي؟! 

هل تريدون مني أن أضحك وقد أخذ الموت مني ابني،وأخذت الحياة مني أشياء كثيرة كنت أحبها ؟!

ليس كل صامت بخير،وليس كل مبتسم سعيدا، وليس كل من يمشي بينكم حيّا كما تظنون.!

بعض الناس يعيشون لأن أجسادهم لم تتوقف بعد..أما أرواحهم،فقد بقي جزء كبير منها هناك، عند قبر حبيب،أو بين أنقاض حلم،أو في طريق غادره صديق ولم يعد..

الموت-يا سادتي-لا يوجع الموتى..الموتى ربما وجدوا سكينتهم،لكن الوجع الحقيقي يبقى للأحياء الذين يواصلون السير وهم يحملون موتاهم في قلوبهم كل يوم.!

وأنا لا أحتاج من أحد أن يسألني لماذا أنا حزين.. يكفيني أن يفهم أن بعض الأحزان ليست حالة عابرة،وأن بعض الخسارات لا يداويها الزمن.

فمن فقد ابنه،وخسر أصدقاءه،ورأى حلم عمره ينهار أمام عينيه،لا يُطلب منه أن يتقن الابتسام..

يكفيه أنه ما زال،رغم كل شيء،يحاول أن يعيش.

وما أقسى أن تظل واقفا أمام الناس،بينما في داخلك رجل سقط منذ سنوات..ولم يستطع أحد أن يراه.

وفي النهاية..

لا تسألوني لماذا أنا حزين..فقد رحل مني ما كان يجعل للحياة معنى.

أنا لا أعيش كما تظنون،بل أجرّ ما تبقى مني بين الناس،وأخفي في صدري قبرا كبيرا..دُفن فيه ابني،وأحلامي،وأشياء كثيرة لن تعود أبدا..


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق