السبت، 5 سبتمبر 2026

"المايسترو بَّا عبدو" بقلم القاص نورالدين بنعيش /المغرب

 "المايسترو بَّا عبدو"

******


«ڭَاڭَا وحليبُ النّاڭة!» بهذه الكلمة السحرية كان «با عبدو» يفتتح حلقة المساء، ثم يضع رجليه خلف رأسه، ويشرع في دحرجة جسمه النحيل متكئًا على يديه. كانت هذه الحركات البهلوانية جزءًا من عرضه المسرحي؛ فقد كان يسعى من ورائها إلى إظهار مفعول «زَهْم النعام»، المستخلص من شحوم النعام، في إكساب العظام مرونة، حسب ما كان يرويه لجمهوره.

كان ركحُ حلقةِ «با عبدو» بسيطًا؛ لم يكن سوى حصيرٍ فرشَه على الأرض، ونثر فوقه ريش النعام، وعلى جوانبه وضع قوارير زجاجية صغيرة، بداخلها أعشاب قيل إنها جلبت من أعماق الصحراء. وفي وسطه لفّ جلدُ ثعبانٍ ضخم، كان كثيرًا ما يروي لجمهوره حكاية اصطياده. لكن أكثر ما كان يثير انتباه المتفرجين هو طريقته الفريدة في الحكي؛ طريقة خاصة به، لا ينازعه فيها أحد من الحكواتيين الآخرين. كان يعزف على الكلمات كما يعزف المايسترو على آلته، فيأسر آذان المتحلقين حوله، ويجعلهم يعيشون لحظات الحكاية لحظةً بلحظة، رغم الضجيج الذي كان يعمّ ساحة الفرجة. لذلك أطلق عليه الناس لقب «المايسترو».

هذه الخصوصية هي التي أطالت عمر حلقة «با عبدو»، فذاع صيتها بين أصحاب هذا الفن النابع من ثقافة شعبية ترسخت في وجدان أجيال الماضي والحاضر. وأصبح لها جمهور يعشقها، بل يفضلها أحيانًا على عروض المسرح المهيكل.

ولعلّ عمر، ابن السابعة عشرة ربيعًا، كان واحدًا من هؤلاء المعجبين بهذا التراث اللامادي؛ فلم يعد يفوّت عروض «با عبدو»، حتى في أوقات الدراسة، فتحوّل إعجابُه به إلى إدمانٍ شديدٍ لم يعد يستطيع الفكاك منه.

وذات مساء، بينما كان عمر مشدود البصر إلى حركات «با عبدو»، إذا بهذا الأخير يمسك بيده ويدخله إلى وسط الحلقة. تردد عمر في البداية، لكن تشجيعات المتفرجين بددت تردده، فدخل، واستطاع أن ينجح في تقمص الدور المنوط به. وباجتيازه ذلك التحدي المفاجئ، شعر بثقة قوية في نفسه.

ومع توالي الأيام، أخذت مهاراته تتطور، فتعلم أصول الحلقة وفنونها، إلى أن جاء يوم الأربعاء الذي أحدث هزة عنيفة في نفسه؛ فقد اكتشف، على غير عادته، غياب «با عبدو» عن الموعد.

دون انتظار، اقتحم عمر الدائرة، ووضع حقيبته وسط الحلقة، ثم افتتح الحكي محاولًا محاكاة أستاذه. لم يكن من السهل أن يملأ الفراغ الذي تركه «با عبدو»، ومع ذلك واصل الحكي، لكن الأمر استعصى عليه؛ فما هي إلا لحظات حتى بدأ الجمهور ينفض من حوله، مولّيًا وجهته نحو حكواتي آخر.

شعر عمر بانكسارٍ عميق وهو يرى الحلقة تتفكك من حوله، حتى وجد نفسه وحيدًا وسط دائرة لم يُكتب لها الاكتمال. في تلك اللحظة، أدرك أن الوقوف على ركح هذا المسرح المفتوح على مصراعيه ليس بالأمر السهل، فالصنعة تحتاج إلى صانع ماهر يتقنها بعناية فائقة.

رجَع إلى بيته ممزقاً بين الاستمرار في هذه التجربة الشاقة والرجوع إلى دراسته التي هجرها، وما إن أضناه التفكير حتى ارتمى في أحضان نوم عميق.

وفي الصباح، حمل حقيبته التي كاد غبار الإهمال أن ينسيه إياها، ورافق والدته في اتجاه المدرسة، وكلّه أمل في أن تعيده الإدارة إلى فصله الدراسي.

القاص نورالدين بنعيش /المغرب/05/09/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق