السبت، 5 سبتمبر 2026

حِينَ يُصْبِحُ الغِيَابُ مَكَانًا بقلم سليمان بن تملّيست

 حِينَ يُصْبِحُ الغِيَابُ مَكَانًا

لَمْ يَعُدِ الغِيَابُ

بَابًا أُغْلِقَ خَلْفَكْ.

أَحْيَانًا

أَدْخُلُ الغِيَابَ

وَأُغْلِقُ البَابَ مِنَ الدَّاخِلْ.

هُنَاكَ

كُرْسِيٌّ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدْ،

وَمَعَ ذَلِكَ

يَتَّسِعُ لِشَخْصَيْن.

أَجْلِسُ قُبَالَتَهُ

وَلَا أَسْأَلُ: أَيْنَ أَنْتِ؟

يَكْفِينِي أَنَّ المَسَاءَ

حِينَ يَمِيلُ عَلَى النَّافِذَة

يَتْرُكُ نِصْفَهُ فِي الغُرْفَة.

مُنْذُ غِبْتِ

صَارَتِ المَسَافَةُ غَرِيبَةً.

خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ

قَدْ تَفْصِلُنِي عَنْ وَجْهٍ أَعْرِفُه،

وَأَعْوَامٌ كَامِلَةٌ

قَدْ لَا تَفْصِلُنِي عَنْكِ.

كُنْتُ أَظُنُّ

أَنَّكِ ابْتَعَدْتِ.

لَكِنَّنِي كُلَّمَا حَاوَلْتُ

أَنْ أَضَعَ بَيْنَنَا مَسَافَةً،

وَجَدْتُكِ

فِي الجِهَةِ الأُخْرَى مِنْ قَلْبِي.

مَنْ الَّذِي رَحَلَ إِذَنْ؟

أَنْتِ،

أَمِ الوَقْتُ

الَّذِي كَانَ يَجْعَلُ حُضُورَكِ مُمْكِنًا؟

لَا أَبْحَثُ عَنْكِ.

ثَمَّةَ أَشْيَاءُ

تَفْعَلُ ذَلِكَ عَنِّي.

كُرْسِيٌّ فَارِغٌ،

ضَوْءٌ يَتَأَخَّرُ قَلِيلًا عَلَى الجِدَارِ،

رَائِحَةُ مَكَانٍ

لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا

تُوقِظُ نَافِذَةً قَدِيمَةً فِي دَاخِلِي.

وَأَحْيَانًا

يَمُرُّ الحَنِينُ

كَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنْ مَكَان.

لَا يَطْرُقُ البَابَ،

لَا يَجْلِسُ،

لَا يَقُولُ شَيْئًا.

فَقَطْ

يَتْرُكُ شَيْئًا مِنْكِ

عَلَى حَافَّةِ القَلْبِ

وَيَمْضِي.

وَحِينَ يَسْأَلُونَنِي:

أَمَا زِلْتَ تَنْتَظِرُ؟

أُفَكِّرُ فِي السُّؤَالِ طَوِيلًا.

مَاذَا يَعْنِي الِانْتِظَار

حِينَ تَكُونُ الغَائِبَةُ

أَكْثَرَ حُضُورًا

مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَغِيبُوا؟

لِذَلِكَ

لَا أَنْتَظِرُ.

أَتْرُكُ الأَيَّامَ

تَمُرُّ مِنْ جَانِبِي،

وَأَتْرُكُ طَيْفَكِ

يَمُرُّ مِنْ دَاخِلِي.

فَبَعْضُ الأَشْيَاء

إِذَا أَمْسَكْنَا بِهَا

فَقَدَتْ شَكْلَهَا.

وَبَعْضُ الغِيَاب

كُلَّمَا حَاوَلْنَا طَرْدَهُ

وَجَدْنَاهُ

قَدْ صَارَ بَيْتًا.

أَدْخُلُ إِلَيْهِ

حِينَ تَضِيقُ بِيَ الأَمْكِنَةُ.

وَلَا أَحَدَ يَعْرِفُ

أَنَّنِي، مُنْذُ رَحَلْتِ،

لَمْ أَعُدْ أَسْكُنُ المَكَانَ

الَّذِي يَرَانِي فِيهِ الجَمِيعُ.

أَسْكُنُ مَكَانًا آخَرَ.

مَكَانًا

لَا عُنْوَانَ لَهُ.

وَفِيهِ

مَا زَالَ كُرْسِيٌّ فَارِغٌ

يَتَّسِعُ لِشَخْصَيْنِ.

*****

بقلم  سليمان بن تملّيست 

جربة في 2026/09/02

الجمهوريّة التونسيّة



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق