صهيل القوافي (النثر بين الإيقاع وتناغم الصور)
ثمة أشياء لا تُرى حين تُقال، وإنما تُدرك حين تترك في الروح رجعًا يتجاوز الكلمات. ولعلّ الموسيقى واحدة من تلك الأشياء التي قد تسكن النص من غير أن يعلن عنها، فتختبئ في إيقاع الجملة، وفي تناوب الألفاظ، وفي تناغم الصور، بل ربما في قافيةٍ لم تُكتب لتكون قافية.
وحين نقول «النثر»، سرعان ما يحضر في أذهاننا أنه النص المتحرر من الوزن والقافية؛ وكأن غياب الميزان العروضي يعني بالضرورة غياب الموسيقى. لكن، هل الموسيقى لا تكون إلا حيث ينتظم الوزن؟ وهل القافية لا يكون لها أثر إلا إذا جاءت في موضعها المعروف من البيت الشعري؟
ماذا لو كان للنثر صهيلٌ آخر لا يخضع لبحرٍ ولا يطلب قافيةً ثابتة، وإنما يتحرك في جسد النص كنبضٍ خفي؟ وماذا لو كانت القوافي فيه لا تُسمَع بوصفها أجراسًا صوتية فحسب، بل تُرى في الصور، وتتكشف في المعاني، وتتردد في الوجدان؟
هنا يبدأ السؤال، لا عن النثر الذي يشبه الشعر، بل عن النثر الذي يملك موسيقاه الخاصة؛ وعن القافية حين تتحرر من وظيفتها العروضية لتصبح جزءًا من نسيج الصورة والدلالة.
هل النثر خالٍ من القافية، أم أن القافية فيه تختبئ حيث لا نتوقعها؟
ربما أخطأنا حين جعلنا القافية رهينة الوزن، وحصرنا الموسيقى في تفعيلةٍ تتكرر، أو حرفٍ يعود في آخر البيت. فالقافية في الشعر لها نظامها، والنثر له منطقه الآخر؛ وإذا استعارت القصيدة الموسيقى من انتظام الإيقاع، فإن النثر قد يستولد موسيقاه من حركة المعنى، وتردد الأصوات، وتجاور الصور، وتآلف الكلمات.
في النثر لا تصطف القوافي انتظارًا لنهاية السطر؛ إنها قد تتوارى في ثنايا الجملة، ثم تظهر فجأة في صورة، أو لفظة، أو نبرة، أو تشابه صوتي يترك في النفس أثرًا يتجاوز جرسه.
إنها ليست قافيةً عروضية، ولا ينبغي لها أن تكون؛ بل هي صدى المعنى حين يجد له صوتًا.
وأجمل ما في النثر أنه لا يحتاج إلى أن يثبت موسيقاه على ميزانٍ واحد. يستطيع أن يسرع حين يضطرب الشعور، ويبطئ حين يتأمل، ويقطع الجملة حين يعجز الوجع عن إتمامها، ثم يترك كلمةً وحيدةً في آخر السطر، كأنها آخر نبضة في قلبٍ متعب.
وهنا يمكن أن نصغي إلى ما يشبه صهيل القوافي؛ لا صهيلًا يُقاس بعدد التفعيلات، ولا قافيةً تُفرض على النص من خارجه، بل قوافي متحركة في الصور، ناطقة في الدلالة، متجاوبة داخل النسيج النثري دون أن تستولي عليه.
فإذا تكررت كلمةٌ أو بنيةٌ أو نغمةٌ صوتية لأن المعنى اقتضاها، لم تكن زينةً مجانية؛ وإذا التقت ألفاظٌ في جرسها وهي تحمل المعنى إلى أفقٍ أعمق، لم يكن ذلك ترفًا لغويًا. هنا تصبح القافية جزءًا من البناء، لا حاشيةً عليه.
وليس كل تشابهٍ صوتي قافيةً، كما أن كل قافيةٍ لا تصنع شعرًا.
قد تكون القافية في نصٍّ نثري مجرد ترديدٍ لا يضيف شيئًا، فتظل صوتًا عابرًا لا أثر له؛ وقد تتحول، حين تتآزر مع الصورة والدلالة، إلى خيطٍ خفيّ يشد أجزاء النص بعضها إلى بعض. فالفرق ليس في وجود القافية، بل في وظيفتها.
فالنثر لا ينقصه شيء لأنه لا يملك الوزن الشعري، كما أن الشعر لا يعلو عليه لأنه موزون. لكل جنسٍ أدبي روحه وأدواته وحدوده التي تمنحه خصوصيته. والنثر، حين يكتب موسيقاه الخاصة، لا يكون شعرًا ناقصًا، بل يكون نثرًا مكتمل الهوية.
إنه لا يطلب من القافية أن ترقص على إيقاعٍ محفوظ؛ يكفيها أن تمشي في جسد النص كنبضٍ خفي.
وربما كان ذلك هو سر صهيلها الحقيقي: أن نسمعها دون أن نراها، وأن نشعر بإيقاعها دون أن نستطيع إخضاعه للميزان، وأن تأتي الصورة قبل القافية، ثم تأتي القافية لأن الصورة احتاجت إليها.
فالقافية في النثر، حين تنضج، لا تُسمَع وحدها؛ تُرى في الصورة، وتُحَسّ في المعنى، وتبقى في الذاكرة كصوتٍ لم يُقَل تمامًا.
وهناك، تحديدًا، لا يكون النثر قد استعان بالشعر ليكتمل؛ بل يكون قد اكتشف موسيقاه التي كانت فيه منذ البداية.
هالة بن عامر تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق