من رماد الحكاية ..
رسالة من تونس الخضراء إلى الجزائر الحبيبة ...
جارة بلا حدود
إلى جارتي العظيمة ...
إلى التي بيننا حدودٌ على الخرائط ، و لا حدود بين القلوب .
من أعالي جبال برڨو بسليانة أكتب لكِ .
الدخان هنا يصعدُ مثل الدخان عندكِ ...
الريح تجري في عمقِ الجبلِ حاملةً نفسَ الوجع ، تأكلُ الأخضرَ و اليابس ، لا تفرقُ بين شجرةٍ و بيتٍ و روحِ حيوان ...
اليوم النارُ زارتنا كما زارتكِ بالأمس .
فهمتُكِ الآن أكثر ...
فهمتُ معنى أن ترى رئةَ الأرضِ تحترق و أنتِ عاجزة .
فهمتُ معنى أن يتحولَ غصنُ الزيتونِ الذي ظلّلَ الجداتِ إلى فحمٍ في لمح البصر .
تذكرتُكِ يا جزائرنا الأبية ...
تذكرتُ ساقية سيدي يوسف ، حين امتزجت دماءُ شهدائنا بشهداءك على تراب واحد ، و صرنا دماً واحداً في جسدِ المقاومة .
حين قاسمناكِ الرصاصَ ، و قاسمتِنا الكرامة .
حين علّمتنا الخرائط أننا بلدان ، و علّمنا الاستعمارُ أننا وطنٌ واحد .
و اليوم ، يعود العدو ... لكن بلا وجه ، عدوّ اسمه النار.
أكلت ما زرعناه ، وأحرقت ما تنفسناه .
وجعُكِ وجعي .
لأن الرمادَ الذي غطى جبالكِ ، هو نفسه الذي يغطي جبالنا الآن .
و لأن صمتكِ وأنتِ تحترقين ، هو نفسُ صمتي وأنا أراكِ .
يا جارتي...
أعرفُ سرّكِ ، أنتِ ابنةُ الرماد.
كلما احترقتِ ، خرجتِ من تحتِ السوادِ بعروقٍ خضراء تقول : "سأعود".
و هذا ما يخيفهم ... أننا لن نموت ..
أنا هنا ..
لن أكذبَ عليكِ و أقول سأطفئُ النارَ بيدي .
لكنني أقسمُ لكِ بشهادةِ الأمس أني سأمسحُ دمعةَ الأرضِ بحرفي .
سأزرعُ مكانَ كلِ شجرةٍ رحلت قصيدة .
و سأحفرُ اسمكِ على كلِ جذعٍ نجَا ، حتى لا ينسى التاريخُ من كان مع من ...
اسمعيني جيداً :
نحن لسنا جارتين .
نحنُ امرأةٌ واحدةٌ قسّمها الاستعمارُ بخطٍ ، ثم وحّدها الدمُ بخطٍ أعمق .
إن بكيتِ ، ابتلّت عيناي .
و إن ضحكتِ ، اخضرّت صحرائي .
فإن احترقتِ ، احترقتُ معكِ .
و إن خضرتِ ، كان عيدي و فرحتي الكبرى .
من تونس الخضراء ... التي ستبقى خضراء رغم الأيادي الغادرة الخائنة ،
إلى الجزائر ... التي ستبقى خضراء رغم النار
نلتقي غداً تحت ظلِ زيتونةٍ جديدة ،
و نقول للأبناء : هذا ما خلّفته النار ، وهذا ما خلّفه الحب ...
معكِ في الرماد... ومعكِ في الخضرة أيتها الماجدة
بقلمي الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق