تعثّرتُ بطيفك..!
وأنا أمرّ على أطراف أصابعي فوق ذلك الرصيف المبلّل،كأنني أخشى أن أوقظ شيئا نائما في الذاكرة،كنت أحاول أن أنتشل نفسي من حديث أطاح بدمعي،وأقنع قلبي بأن بعض الغياب يمكن احتماله...
لكنني تعثّرت بطيفك..!
كان طيفك عابرا،خاطفا،كالمطر حين يلامس نافذة مغلقة،لكنه ترك في داخلي من البلل ما لم تستطع السنوات أن تجفّفه.!
توقفتُ قليلا..لم أكن أعرف هل أتقدّم أم أعود،هل أواصل الطريق أم أستسلم لذاكرتي التي لا تعرف كيف تترك الراحلين يمضون.
ودون أن أكمل قراءة تفاصيل ذهابك،أعلن الحنين عن نفسه دفعة واحدة،انقباضات متتالية في صدري،كلما جاء اسمك بين فواصل الحديث،وكأن اسمك لم يعد مجرد اسم،بل جرحا يعرف طريقه إليّ دون استئذان.
كم هو غريب هذا الغياب !
يمضي صاحبه،وتبقى الأشياء التي تركها وراءه أكثر حضورا منه،شارع مررنا به،مقعدٌ لم يعد ينتظر أحدا،أغنية تأتي مصادفة فتفتح أبوابا ظننا أننا أغلقناها،ورائحة مطر تعيد إلينا وجها حاولنا طويلا أن ننساه..
كنت أظن أن الزمن يعلّمنا النسيان،ثم اكتشفت أنه لا يفعل أكثر من تدريبنا على إخفاء الوجع.
نبدو بخير لأننا أتقنّا الصمت،ونضحك لأن الحياة لا تنتظر حزننا،ونواصل السير لأن الوقوف طويلا أمام الغياب قد يجعلنا غرباء عن أنفسنا.
لكن الحقيقة أن بعض الذين رحلوا لا يغادروننا تماما..
إنهم يتحولون إلى شيء خفيّ يسكن القلب،يظهر فجأة في لحظة عابرة،في رصيف ممطر،في حديث عادي،أو في اسم يمرّ بين الكلمات، فيرتجف القلب كما لو أن الفقد حدث بالأمس.
ولذلك لم يكن يؤلمني ذهابك وحده،بل يؤلمني أنني ما زلت أراك في تفاصيل لا علاقة لك بها، وأنني كلما حاولت أن أتعلم الحياة من دونك، أعادتني الذاكرة إلى النقطة التي بدأ منها الغياب.
ربما بعض الأحبة لا نودّعهم حقا..!
نحن فقط نتعلم كيف نحملهم في داخلنا،ونمضي..
وها أنا أمضي على الرصيف المبلّل،أجرّ خطاي خلفي،وأحاول أن أقنع قلبي بأنك غبت..
لكنني كلما قلت: انتهى كل شيء،تعثّرتُ من جديد بطيفك،فعرفت أن بعض الغياب لا يُشفى،بل نتعلّم فقط كيف نبكيه بصمت..
وفي النهاية،بعض الغياب لا تُطفئه السنوات،ولا يعلّمه القلب النسيان..يبقى ساكنا فينا،ويكفي أن يمرّ اسم أو طيف عابر،حتى ينفتح الجرح من جديد،فنكتشف أن من أحببناهم لا يرحلون تماما.. إنهم فقط يغيبون عن أعيننا،ويسكنون إلى الأبد في أكثر أماكننا وجعا..
محمد المحسن
-تنويه:
صورة الحسناء المرافقة للمقال صورة تعبيرية لا غير،ولا تمثل بالضرورة صاحبة القصة أو الشخصية المقصودة في المقال.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق