الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

حين يصبح الضمير..غريبا بيننا..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين يصبح الضمير..غريبا بيننا..!

تصدير:

كل إصلاح حقيقي يبدأ من الداخل..من قلب يعود إلى الله،وضمير يستيقظ،وإنسان يقرر أن يكون أفضل مما كان..( الكاتب)


-تنويه:

هذا المقال موجّه لمن لا يزال في قلبه نبض من ضمير،أمّا من مات ضميره فلا يعنيه منه شيء..!


لم تعد الأخبار السيئة تفاجئنا كما كانت من قبل.

نستيقظ كل يوم على حكاية جديدة عن جريمة، أو فساد،أو عنف،أو ضياع إنسان في متاهة المخدرات والانحراف،ثم نغضب قليلا،ونتبادل الاتهامات،ونكتب عبارات الاستنكار،قبل أن نعود إلى حياتنا وكأن شيئا لم يحدث.!

لكن ما يحدث حولنا ليس مجرد سلسلة من الوقائع المنفصلة،بل ربما يكون جرس إنذار كبيرا يخبرنا بأن شيئا عميقا أصاب روح المجتمع.

فحين يضعف الضمير،تصبح القوانين وحدها عاجزة عن صناعة إنسان مستقيم.

وحين تموت المراقبة الداخلية،يبحث الإنسان عن ألف طريقة للإفلات من رقابة الآخرين.

المجتمع لا تحميه الكاميرات وحدها،ولا تبنيه العقوبات وحدها،لأن أخطر الجرائم قد تبدأ في مكان لا تصل إليه الكاميرات: في قلب إنسان فقد خوفه من الله،وفقد معه احترامه لنفسه وللناس.

نحن في حاجة إلى أن نستعيد المعنى الحقيقي للإيمان،ذلك الإيمان الذي لا يظهر فقط في الكلمات،بل في طريقة تعاملنا مع الضعفاء،وفي أمانتنا حين تغيب العيون،وفي قدرتنا على مقاومة الخطأ عندما يكون الطريق إليه سهلا ومفتوحا.

ما قيمة أن يعرف الإنسان كثيرا عن الدين إذا كان قاسيا على الناس ؟!

وما جدوى الكلمات الجميلة إذا كانت اليد تمتد إلى الظلم ؟!

وما معنى التدين إذا كان الإنسان يخاف من القانون،لكنه لا يخاف أن يجرح قلبا،أو يأكل حقا، أو يهدم حياة ؟!

إن أجمل ما يمكن أن يصنعه الإيمان في الإنسان هو أن يمنحه ضميرا حيا..ضميرا يمنعه من الخيانة قبل أن تمنعه العقوبة.ويجعله يختار الخير حتى عندما لا ينتظر منه أحد ذلك.ويعلّمه أن القوة ليست في القدرة على إيذاء الآخرين،بل في القدرة على الانتصار على النفس.

لقد أصبحنا،في زمن كثرت فيه الأصوات،بحاجة إلى قليل من الصدق.

وفي زمن كثرت فيه الأقنعة،بحاجة إلى وجوه لا تخاف أن تكون حقيقية.

وفي زمن أصبح فيه كل شيء قابلا للبيع،بحاجة إلى بشر يعرفون أن هناك مبادئ لا ينبغي أن يكون لها ثمن.

الإصلاح لا يبدأ من الخطب الكبيرة وحدها،ولا من المنشورات الغاضبة،ولا من انتظار الآخرين كي يتغيروا.

إنه يبدأ من لحظة صادقة يقف فيها الإنسان أمام نفسه ويسأل: هل أنا جزء من المشكلة التي أشتكي منها،أم جزء من الحل الذي أنتظره ؟

ربما لن نستطيع أن نمنع كل الشرور،ولن ننجح في تغيير العالم بين ليلة وضحاها،لكن كل إنسان يستطيع أن ينقذ شيئا صغيرا بداخله قبل أن يضيع.

وفي النهاية،لعل أعظم ما نحتاج إليه اليوم ليس أن نُصلح صورة المجتمع أمام الناس،بل أن نُصلح الإنسان في خلوته،لأن الإنسان الذي يستقيم قلبه حين لا يراه أحد،هو وحده القادر على أن يصنع مجتمعا أجمل حين يراه الجميع.فكل إصلاح حقيقي يبدأ من الداخل..من قلب يعود إلى الله، وضمير يستيقظ،وإنسان يقرر أن يكون أفضل مما كان.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق