مقهى السابعة / لينا ناصر _لبنان
مررت قرب مقهى_السابعة
بعد عودتي من سفر سرق من عمري عمرا، وأكثر...
فكدت لا أعرفه، لولا ذلك الاسم الذي لوّنه الصدأ بلون الذهب، كأنه يخبرنا كيف يمكن لاسم مكان مهجور ان يشيخ، بينما تبقى بعض الحكايات فيه فتية لا يطالها الزمن...
تقدمت من الباب الخشبي المتصدع، وما إن أمسكت بمقبضه حتى انفتح على مصراعيه، كأنه كان ينتظر يدي...!
دخلت بحذر، أنفض غبار العمر عن أصابعي، وأشق طريقي بين خيوط العنكبوت وبداخلي شعور يأمرني بالهدوء كأنه يخشى أن يمس شيئا من الماضي فيوقظ ذاكرة نامت ذات رحيل وكنت أظنها رحلت ولن تعود..
رحت أتجول في أرجاء المقهى، أتحسس بعيني محطات مرت من هنا، وجوه غادرت، ضحكات انطفأت، احاديث ابتلعها الوقت، روايات وروايات بعضها بدأ من هنا والآخر هنا كانت محطاته الأخيرة..
ثم عادت إلى ذاكرتي لحظة ظننت، لسنوات، أنني نسيتها
يوم اجتمعنا هنا، على فنجان_قهوة_وحديث أخير...
كان فنجاننا الأخير أشبه بموعد مع الوداع وضعنا فيه ما عجزنا عن قوله، وتركنا بين رشفاته كثيرا من العتب، وكثيرا من الحزن، وبعض الدموع التي لم تجد حروفا تترجمها فانزلقت ساخنة على وجنات الزمن..
كنا نعرف أننا نفترق، لكننا لم نكن نعرف أن ذلك الفنجان سيصبح يوما قطعة من العمر..
ابتسمت بسخرية ..
كيف يمكن لمكان شهد وداعنا أن يحتفظ أصواتنا أكثر مما احتفظنا نحن بها؟!
كنت أعلم أنني سأعود ذات يوم، وأنني سأمر من هنا، وأن شيئا ما في هذا المكان سيعيدني إلى ذلك الزمان...
لكنني لم أفكر يوما أن ذاكرتي كانت تحتفظ بك في أدق التفاصيل...!
في زاوية جلوسك...
في موضع يديك...
في نبرة صوتك...
في صمتك بين جملة وأخرى...
حتى في المسافة الصغيرة التي كانت تفصل فنجانك عن فنجاني...
اكتشفت وأنا أقف وسط هذا الخراب أن الأماكن لا تنسى زوارها
ولا الغياب يمحو شيئا
كل ما يفعله الزمن أنه يضع طبقة من الغبار فوق الأشياء...
ثم تأتي لحظة واحدة،
باب قديم،
اسم أكل الصدأ حروفه،
رائحة قهوة عالقة في الذاكرة...
فتسقط كل طبقات النسيان دفعة واحدة،
ونكتشف أننا لم نغادر الماضي قط...
كنا فقط نمشي بعيدا عنه،
وهو يقطن في الظل المرافق..!
لينا ناصر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق