وَجَعُ الرَّاحِلِ
بِقَلَمِ: يُوسُفَ خَلِيل
أَيَّتُهَا الشَّمْسُ،
بَعْدَ قَرْنٍ مِنْ خَرْمَنِ الرَّحِيلِ،
هَا أَنْتِ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَيْضًا...
مَاذَا أَخَذْتِ مِنَ الْمَائِدَةِ؟
وَأَيَّ شَيْءٍ حَمَلْتِ مَعَكِ مِنْ أَثَرِ الْغِيَابِ؟
أَشْعَلْتِ شَمْعَةَ وُجُودِكِ،
كَأَنَّكِ شَهَادَةٌ عَلَى أَنَّ الضَّوْءَ،
حَتَّى وَإِنْ أَتْعَبَهُ السَّفَرُ،
لَا يَفْقِدُ مَعْنَاهُ.
يَا ثَانَاتُوسُ،
أَيُّ تِنِّينٍ أَنْتَ؟
وَأَيُّ قَدَرٍ يَسْكُنُ فِي دَمِكَ؟
كُنْتَ دَائِمًا شَوْكًا لِلْبَنَفْسَجِ،
وَخَنْجَرًا خَفِيًّا فِي أَعْمَاقِ الْقُلُوبِ،
وَكُنْتَ تَتَسَلَّلُ إِلَى أَحْشَاءِ الرُّوحِ،
فَتَخْتَطِفُ شَبَابَ أُمَّهَاتِ
مَدِينَةٍ عَرِيقَةٍ أَلْبَسَهَا الْحُزْنُ السَّوَادَ.
وَهَا أَنْتَ الْيَوْمَ أَيْضًا،
تَحْمِلُ مَأْتَمًا آخَرَ،
وَتَجُرُّ خَلْفَكَ أَنِينَ الرُّوحِ،
وَتَشُقُّ الْحُبَّ إِلَى قِطَعٍ،
ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّمْتَ
يَتِيهُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ.
إِنَّهُ أَنِينُ كَسْفَةِ الْعِشْقِ،
وَتَشَظِّي الرُّوحِ،
وَصَمْتُ بَحْرٍ
كَانَ يَحْمِلُ سِرَّ الْحَيَاةِ قَبْلَ الْيَوْمِ.
وَمَعَ ذَلِكَ...
يَبْقَى الْوُجُودُ مُهِمًّا.
أَيَّتُهَا الطَّبِيعَةُ،
أَنْتِ حُرَّةٌ،
وَلَا تَسْقُطِينَ مِنْ جَمَالِكِ وَبَهَائِكِ.
أَيَّتُهَا الْأَرْضُ،
لَا يَرْهَبُكِ الرَّحِيلُ،
فَامْضِي فِي دَرْبِكِ،
وَامْضِي فِي مَدَاكِ،
وَلَا تَتَوَقَّفِي...
فَأَنْتِ مَا زِلْتِ حَيَّةً!
فَاجْعَلِي زَهْرَ الْبَاخِ،
وَالْأَفْكَارَ النَّقِيَّةَ،
وَقُبَلَ الرُّمَّانِ،
رَابِطَةً لِلطَّرِيقِ،
وَدَلِيلًا لِلرُّوحِ،
أَيُّهَا الْإِلَهُ...
لَعَلَّ الْجَمَالَ،
حِينَ يَمُرُّ مِنْ بَابِ الْفَقْدِ،
يَتَحَوَّلُ إِلَى ذَاكِرَةٍ،
وَلَعَلَّ الرَّحِيلَ،
حِينَ يَظُنُّ أَنَّهُ أَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ،
يَكْتَشِفُ أَنَّهُ تَرَكَ لِلْحَيَاةِ
سِرَّ الْبَقَاءِ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق