حين أعادت الصورة الجدة من غياب السنين..!
قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير
في هذه القصيدة،لا تستعيد الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير صورة جدتها فحسب،وإنما تستعيد من خلالها زمنا عائليا وإنسانيا كاملا،كأن الصورة القديمة لم تكن ورقة صامتة،بل نافذة انفتحت فجأة على ماض بعيد، فخرجت منه الوجوه والأصوات والذكريات والدفء الذي ظلت السنين عاجزة عن محوه.
وتنهض القصيدة منذ مطلعها على الحوار مع الغائب الحاضر،فتقول:
«أتَعرِفُ مَنْ أراهَا بِعَيْنِ قلبي
وأُهْديها التّحايا ..… مِن سِنينْ؟»
واللافت هنا هو قولها "بعين قلبي" فالعين ترى الصورة،لكن القلب هو الذي يرى الإنسان الذي وراءها.ولذلك تتحول الصورة من مجرد أثر بصري إلى كائن نابض بالذاكرة.
ثم تنتقل الشاعرة إلى الاعتزاز بالاسم والإرث الروحي:
«أتَعْرفُ مَنْ أكونُ لها سَمِيّاً
لِفخري فيها، ..مرفوعَ الجبينْ؟»
فالانتساب إلى الجدة ليس مجرد تشابه في الاسم، بل هو انتساب إلى سيرة وقيمة وميراث أخلاقي. إنها تحمل اسمها وكأنها تحمل أمانة سيرتها أيضا.
وتبلغ القصيدة ذروة بعدها الإنساني حين تستحضر تضحية الجدة ودورها في سند الأم بعد وفاة زوجها:
«وَمَنْ سَندتْ لنا أمّاً بِعَيْشٍ
بُعَيْدَ وفاةِ زَوْجِهَا؛…… كَيْ تُعينْ؟»
هنا تتجاوز الشاعرة حدود الرثاء إلى تكريم المرأة التي حملت عبء العائلة في زمن الشدة.فالجدة ليست شخصية هامشية في الذاكرة،بل إحدى الدعائم التي حفظت البيت من الانكسار.
ويزداد المشهد دفئا حين تستحضر التربية:
«تُرَبِّي ثلاثةً ديناً وَخُلْقاً
ورابِعُ أنتَ، يا عالي الجبينْ!»
فالتربية في وجدان الشاعرة ليست إطعاما ورعاية فحسب،وإنما بناء للإنسان على الدين والخلق والعلم.ومن هنا يأتي انتقالها الجميل من البيت إلى جنين:
«فكُنّا مِنَ الأوائلِ في ……… جِنينْ»
وكأن نجاح الأبناء أصبح شهادة متأخرة على نجاح تلك المرأة التي تعبت،وضحّت،وربّت.
ومن أجمل مفاتيح القصيدة صورة الحصن:
«فكلٌّ منّا في حِصنٍ ……… حَصينْ»
فالبيت الذي شيدته الجدة بالتربية والمحبة يتحول في المخيال الشعري إلى حصن،حصن يحمي أبناءه من عواصف الحياة،ويمنحهم القدرة على أن يشبّوا في العلم والدين:
«وكلٌّ شبَّ في عِلْمٍ…..…….وَدينْ»
أما لحظة العثور على الصورة،فهي اللحظة الأكثر تأثيرا في القصيدة،إذ يتحول الفرح بالعثور عليها إلى دمعة:
«لِرُؤيةِ رَسمها دَمِعَتْ عيوني»
إنها دمعة اللقاء المؤجل،فالسنوات التي حالت دون رؤية الجدة لم تستطع أن تمنع حضورها، وحين جاءت الصورة بعد عقود،جاءت معها كل السنوات دفعة واحدة.
ويكتمل المشهد بظهور العم إلى جوار الجدة:
«وعَمِّي بقُربها زادَ ……....الحنينْ»
وهنا تنجح الشاعرة في جعل الصورة الواحدة ذاكرة مزدوجة،فهي تستعيد الجدة والعم معا، فيتضاعف الحنين،وتتسع مساحة الغياب.
وفنيا،اعتمدت القصيدة على الاستفهام المتكرر: «أتعرف؟»،وهو استفهام لا ينتظر جوابا بقدر ما يستدرج القارئ إلى الدخول في عالم الذكرى.كما حافظت الشاعرة على قافية النون المكسورة،بما منح النص نغما متصلا يتلاءم مع طبيعة البوح والحنين.
والأجمل أن الشاعرة لم تجعل الحنين بكاء على الماضي،بل جعلته وفاء له،فالذين رحلوا لا يموتون تماما ما دامت سيرتهم حية في الأبناء،وما دامت صورهم قادرة على أن تستنبت في القلب دمعة ومحبة ودعاء.
إنها قصيدة وفاء قبل أن تكون قصيدة حنين، وقصيدة ذاكرة قبل أن تكون قصيدة صورة.وفيها تبرهن الأستاذة عزيزة بشير مرة أخرى أن الشعر الفلسطيني لا يحمل فلسطين وحدها،بل يحمل أيضا البيت الفلسطيني،والأم الفلسطينية،والجدة الفلسطينية،وذاكرة الأجيال التي قاومت النسيان كما قاومت الأرضُ الاحتلال.
ولعل أجمل ما في النص أن الشاعرة،وهي تستعيد جدتها،تستعيد في الحقيقة جزءا من ذاتها،
فالإنسان أحيانا لا يبحث عن صورة الذين رحلوا، وإنما يبحث فيها عن الوجه القديم الذي كانه هو قبل أن تأكله السنون.
حين عثرت الأستاذة عزيزة بشير على صورة جدتها،لم تعثر على ملامح امرأة غائبة،بل عثرت على عمر كامل كان مختبئا خلف الصورة.وهنا تتجلى شاعريتها الجميلة: تجعل من الذاكرة بيتا، ومن الدمع لغة،ومن الوفاء شعرا.
فسلام على الجدة والعم في مرقدهما،وسلام على الشاعرة الفلسطينية الكبيرة عزيزة بشير،التي تعرف كيف تجعل الغائبين أكثر حضورا،وكيف تمنح للذكرى قلبا ينبض بالكلمات.
أتَعرِفُ مَنْ أراهَا بِعَيْنِ قلبي
وأُهْديها التّحايا ..… مِن سِنينْ؟
أتَعْرفُ مَنْ أكونُ لها سَمِيّاً
لِفخري فيها ، ..مرفوعَ الجبينْ ؟
أتعرِفُ مَنْ تفانتْ في جَميلٍ
وَضحّتْ بالكثيرِ ؛…….لِنَسْتكينْ ؟
وَمَنْ سَندتْ لنا أمّاً بِعَيْشٍ
بُعَيْدَ وفاةِ زَوْجِهَا ؛…… كَيْ تُعينْ؟
تُرَبِّي ثلاثَةً : ديناً وَخُلْقاً
ورابِعُ أنتَ ، يا عالي …….الجبينْ !
تضافرتِ الأكُفُّ بِكلِّ حزْمٍ
فكُنّا مِنَ الأوائلِ في ..……..جِنينْ
وأصبَحْنا يُشارُ لنا بَنانٌ
فكلٌّ منّا في حِصنٍ ………حَصينْ
فأبناءٌ لِيونُسَ في حُصونٍ
وكلٌّ شبَّ في عِلْمٍ…..…….وَدينْ
لِرُؤيةِ رسْمها دَمِعَتْ عيوني
فَفيمَ الرّسمُ كانَ ؛.…. لها سجين؟
بجانبِ أمّنا وأبينَا تبقى
وَدعْوَةُ مِنّا جَنّاتٍ ………… مِئينْ؟
لِرؤيا الرّسمِ قد دَمِعَتْ عُيوني
وعَمِّي بقُربها زادَ ……....الحنينْ
أ كيدُ عرفتَها سِتّي عزيزة
لِندَعو كلُّنا بِجِنانِ …….……عِينْ !
عزيزة بشير
محمد المحسن
-تنويه
بوصفي ناقدا ومهتما بالشعر والشعراء،ولا سيما شعراء فلسطين،ومن زاوية أكاديمية وبحثية، استوقفتني مرارا التجربة الشعرية للشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير، بما في قصائدها من عذوبة وثراء وجمال،وبما تجيده من عزف مدهش على أوتار الإبداع.
وقد قاربت بعضا من نصوصها قراءة نقدية تستند إلى النزاهة والموضوعية،بعيدا عن المجاملة والمحاباة،إيمانا مني بأن النقد الحقيقي لا يكتب لإرضاء الشاعر،وإنما لإنصاف النص والكشف عن مواطن جماله وطاقاته الإبداعية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق