تفاعلا مع مقال الأستاذ القدير الطاهر عسيسيلة الموسوم ب"حين يستيقظ الإنسان من زمنه"
تطاوين..حين يستيقظ الزمن..وتبقى اللامبالاة نائمة..!
أجاد الأستاذ والكاتب التونسي الكبير الطاهر عسيسيلة في جعل قصة أهل الكهف نافذة يتأمل من خلالها علاقة الإنسان بالزمن،لا باعتباره عقارب تتحرك على جدار الساعة،وإنما باعتباره قوة خفية تعيد تشكيل الإنسان والعالم والذاكرة.
غير أنني،وأنا أقرأ هذا النص العميق،وجدتني أمام سؤال آخر: ماذا لو لم يكن الإنسان هو الذي يستيقظ من الزمن،بل كان الزمن هو الذي يستيقظ داخله ؟!
فالإنسان لا يعيش الزمن فحسب،بل يحمل منه آثارا لا تمحوها السنوات.في الوجه تجاعيد لأيام مضت،وفي العينين وجوه رحلت،وفي الذاكرة أمكنة لم تعد كما كانت،وفي القلب أشياء انتهت حياتها في الواقع لكنها واصلت العيش فينا.!
ربما لهذا لا يكون أقسى ما يفعله الزمن أنه يأخذ منا الأشياء،وإنما أنه يتركنا قادرين على تذكرها. فالفقد الكامل قد يكون أرحم من ذاكرة تعرف الطريق إلى ما لم يعد موجودا.
وأهل الكهف،في قراءتي،ليسوا فقط أولئك الذين ناموا ثم استيقظوا على عالم مختلف،إنهم صورة لكل إنسان يستيقظ ذات صباح فيكتشف أن سنوات عمره قد عبرت من حوله،وأن أشياء كان يظنها ثابتة أصبحت بعيدة،وأنه هو نفسه لم يعد ذلك الذي كانه بالأمس.
لكن الزمن،رغم قسوته،لا ينتصر دائما.ثمة أشياء يستطيع الإنسان أن ينقذها منه: كلمة صادقة، كتاب،قصيدة،موقف نبيل،وذكرى يرفض القلب أن يفرط فيها.وربما كانت الكتابة واحدة من أجمل محاولات الإنسان لمقاومة النسيان،فنحن نكتب لأننا نعرف أن العمر عابر،ونكتب كي لا تعبر معه المعاني التي آمنّا بها.
ومن هنا تبدو الكتابة فعلا من أفعال البقاء.
الكاتب لا يوقف الزمن،لكنه يترك على طريقه أثرا يقول: مررت من هنا،وفكرت،وتألمت،وحلمت، وحاولت أن أفهم.
ولعل قيمة نص الأستاذ الطاهر عسيسيلة أنه لا يغلق باب السؤال،بل يترك القارئ واقفا أمامه. فالكتابة العميقة ليست التي تمنحنا أجوبة جاهزة، وإنما التي تجعلنا نعيد النظر في أسئلتنا القديمة بعين جديدة.
وهذه القدرة على تحويل الفكرة إلى سؤال، والسؤال إلى تأمل،والتأمل إلى نص،ليست غريبة عن جهة تطاوين الشامخة،فقد أنجبت هذه الأرض كتابا وأدباء وشعراء وباحثين لهم وزنهم وحضورهم،وأثبتوا أن الهامش الجغرافي لا يعني هامشا في الفكر والإبداع،وأن الأرض التي تبدو بعيدة عن المركز قد تكون قريبة جدا من قلب الثقافة.
وفي النهاية،قد ينجح الزمن في أن يأخذ منا العمر والأمكنة والوجوه،لكنه يعجز عن محو الأثر الجميل الذي نتركه في ذاكرة الآخرين.وحين تصبح الكلمة ذاكرة للإنسان،يصبح الكاتب،بطريقة ما، شاهدا على زمنه..ومقاوما لنسيانه.
وفي الختام،تحية تقدير للكاتب المبدع الأستاذ الطاهر عسيسيلة،الذي ما زال يثبت أن الكلمة الصادقة لا تشيخ،وأن السؤال الجميل لا يموت. ولعل السنوات العجاف التي عشناها معا على مقاعد الدراسة قد علمتنا صدق الكلمة،نبل السؤال،وجمال الحيرة،فامض يا صديقي في درب الإبداع،واكتب أكثر،فما زالت في جعبتك كلمات تستحق أن تولد،وأسئلة تستحق أن توقظ فينا دهشة المعنى.
ولأهلنا في تطاوين،لعل الأوان قد آن للخروج من كهف اللامبالاة والصمت،واستعادة صوت الأرض والإنسان،وتعديل ساعتنا على دقات الزمن،حتى لا نستيقظ يوما فنكتشف أن الزمن مضى،وأن قطار الفرص قد غادر دون أن ينتظر أحدا.فالأوطان لا تنهض بالصمت،والجهات لا تستعيد حقها إلا حين يستيقظ أهلها،ويصبح الوعي فعلا،والكلمة موقفا، والحضور مسؤولية..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق