قصة اجتماعية ونفسية عن حميدة، والرتابة الزوجية، والحرمان العاطفي والجنسي في منتصف العمر
بقلم: د. قاسم عبد العزيز الدوسري
لم يكن ما حدث لحميدة مجرد حكاية امرأة تجاوزت الخمسين، ولا قصة زوجين أنهكتهما السنوات، بل كان حكاية صامتة تعيش في بيوت كثيرة، وتختبئ خلف الأبواب المغلقة، حيث يخجل الناس من الحديث عن احتياجاتهم، ويعدّون الصمت فضيلة، حتى لو كان هذا الصمت يقتل شيئًا عميقًا في داخل الإنسان.
كانت حميدة تعيش حياة زوجية مقبولة، لا تستطيع أن تصفها بالتعيسة، ولا أن تقول إنها الحياة التي حلمت بها يوم كانت فتاة تتخيل الزواج بيتًا من المودة والدفء. كان زواجها تقليديًا، اختير لها فيه الزوج وفق أعراف العائلة وتقاليد المجتمع، ثم مضت الأيام، وأنجبت، وربّت، وسهرت على راحة أسرتها، حتى أصبحت أم حسن، تلك الكنية التي غطّت على اسمها الأول، وكأن الأمومة ابتلعت المرأة التي كانتها ذات يوم.
ثلاثون عامًا وأكثر مرّت، فيها الأفراح والأحزان، ومشكلات الأولاد، وأعباء البيت، ومواسم المرض والتعب. لم تكن حياتها سيئة تمامًا، لكنها كانت تفتقر إلى شيء لا تستطيع أن تشتريه بالمال، ولا أن تعوّضه بكثرة المسؤوليات
كانت تفتقد أن ينظر إليها زوجها بوصفها امرأة، لا مجرد أم لأولاده، وأن يقترب منها لأنه يشتاق إليها، لا لأن الحياة الزوجية تفرض عليه ذلك. كانت تريد كلمة حلوة تأتي في وقتها، ويدًا تمتد إليها دون مناسبة، وعناقًا يشعرها بأنوثتها، وبأنها ما زالت قادرة على أن توقظ الحب في قلب رجل.
لكن الزوج، مع تقدم العمر، بدأ يتراجع عن أشياء كثيرة.
في البداية، ظنت أن الأمر مجرد إرهاق، وأن ضغوط الحياة هي التي جعلته أقل اهتمامًا بها. ثم أخذت تبحث عن الأعذار له، مرة بسبب العمل، ومرة بسبب المرض، ومرة بسبب التقدم في السن.
هل انتهى دوري كامرأة لأن زوجي لم يعد قادرًا على الاقتراب مني؟
لم تسأله بصراحة. كانت تخشى أن تجرح رجولته، أو أن تضعه في مواجهة حقيقة ربما تؤلمه أكثر مما تؤلمها. وكانت تدرك أن الرجل قد يعاني في صمت حين تتراجع قدرته الجنسية، وأن هذا الأمر قد يمس ثقته بنفسه، ويجعله يتهرب من المواقف التي تذكّره بما فقده.
لكنها، في المقابل، كانت إنسانة لها احتياجاتها أيضًا.
غير أن الصمت طال، حتى صار السرير الواسع بينهما أبعد من مسافة غرفتين.
حين دخل العالم الافتراضي حياتها
في تلك المرحلة، دخلت وسائل التواصل الاجتماعي حياة أم حسن، كما دخلت حياة ملايين البشر، وفتحت أمامها نافذة لم تكن تتوقع أن تنظر منها إلى عالم آخر.
كانت تجلس في المساء، بعدما ينام الجميع، تمسك هاتفها وتتنقل بين الصفحات والمحادثات. لم تكن تبحث في البداية عن رجل، ولا عن علاقة حب، بل كانت تبحث عن شيء يبدد وحدتها، ويمنحها فرصة للكلام بعيدًا عن أعباء البيت ومشكلات الأولاد.
أن تقول ما تشعر به دون أن يقاطعها أحد، وأن تحكي عن يومها دون أن يختصر حديثها في قائمة من الواجبات المنزلية.
وذات مساء، تعرّفت إلى رجل كان مختلفًا في حديثه معها. لم يبدأ بسؤالها عن عمرها، ولا عن شكلها، ولا عن تفاصيل حياتها الخاصة. كان يستمع إليها باهتمام، ويتذكر ما تقوله، ويسألها عن أحوالها في اليوم التالي.
تفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إلى امرأة اعتادت أن تمر أيامها دون أن يسألها أحد عن قلبها، كانت تعني الكثير.
شيئًا فشيئًا، امتدت المحادثات، وتحولت الكلمات العابرة إلى انتظار، والانتظار إلى شوق، والشوق إلى علاقة عاطفية عن بُعد.
وحين قال لها ذات ليلة: «أحبك»، شعرت بأن شيئًا قديمًا استيقظ في داخلها.
ابتسمت طويلًا، ثم بكت.
لم تكن دموعها كلها دموع فرح، بل كانت دموع امرأة تذكرت فجأة كم مضى من العمر وهي تؤجل مشاعرها، وكم مرة أقنعت نفسها بأنها لا تحتاج إلى شيء سوى أن يكون أولادها بخير.
أصبح هاتفها موعدًا مع الحياة، ورسائله نافذة يدخل منها الضوء إلى أيامها الرتيبة. صارت تهتم بمظهرها أكثر، وتختار كلماتها بعناية، وتبتسم وهي تقرأ رسائله، ثم تخفي ابتسامتها إذا مر أحد بقربها.
لكن حميدة لم تكن تعرف في البداية إن كانت تحب الرجل نفسه، أم تحب المرأة التي أصبحتها في حضوره.
وربما كان الأمر مزيجًا من الاثنين.
الجانب الذي لا نتحدث عنه
في إحدى الليالي، وبعد حديث طويل، تجرأت حميدة على الكلام عن حياتها الزوجية.
لم تدخل في التفاصيل دفعة واحدة، بل راحت تقترب من الموضوع كما يقترب المرء من باب يخشى فتحه. تحدثت عن سنوات الزواج، وعن التغيرات التي طرأت على زوجها، وعن المسافة التي اتسعت بينهما، حتى أصبحت العلاقة الحميمة ذكرى بعيدة أو مناسبة نادرة لا تحمل ما كانت تتمنى من دفء.
«أن تشعر بأن غيابها لا يغيّر شيئًا في حياة الرجل. أن تمر الأيام والشهور، فلا يسألها أحد إن كانت تشتاق، أو تتألم، أو تحتاج إلى حضن. أن تتحول من امرأة لها رغباتها إلى شخص يؤدي واجباته، ثم ينام وكأن شيئًا لم يكن».
سكتت قليلًا، ثم قالت:
«أنا لا ألوم زوجي على مرضه إن كان مريضًا، ولا على ضعفه إن كان عاجزًا. لكنني أتألم لأننا لم نتحدث يومًا عن هذا الأمر. كأن ما يحدث في جسدي ومشاعري لا يستحق الحديث».
كان ذلك جوهر معاناتها.
فالضعف الجنسي ليس دائمًا اختيارًا، ولا دليلًا على انعدام الحب، ولا مقياسًا لقيمة الرجل. قد يرتبط بأمراض مزمنة، أو تغيرات هرمونية، أو أدوية، أو ضغوط نفسية، أو عوامل تتداخل فيها الصحة والجسد والمشاعر.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الأمر إلى سرّ يطوّق الزوجين بالخجل، فينسحب الرجل خوفًا من الإحراج، وتصمت المرأة خوفًا من جرحه، ويعيش كلاهما في عزلة لا يعرف الآخر مقدار الألم الذي يحمله فيها.
الرجل قد يشعر بأنه فقد جزءًا من رجولته، والمرأة قد تشعر بأنها فقدت جزءًا من أنوثتها.
والحقيقة أن أياً منهما لم يفقد قيمته الإنسانية.
قد يعجز الجسد عن الاستجابة كما كان يفعل في الماضي، لكن القلب يستطيع أن يظل قريبًا. وقد تتراجع القدرة الجنسية، لكن الحياة الزوجية يمكن أن تحتفظ بحميميتها من خلال الحوار الصريح، والاحتضان، والقبلات، والاهتمام المتبادل، والعلاج المناسب حين تكون هناك مشكلة صحية قابلة للعلاج.
غير أن حميدة لم تجد هذا الحوار في بيتها، فوجدت نفسها تبحث عنه في مكان آخر.
ومع مرور الوقت، أصبحت تنتظر رسائله كما ينتظر العطشان قطرة ماء.
إذا تأخر، قلقت. وإذا غاب، شعرت بفراغ كبير. وإذا قال لها إنه مشتاق إليها، عادت ابتسامتها.
كانت العلاقة بعيدة، لا بيت يجمعهما، ولا تفاصيل يومية تختبر صبرهما، ولا مسؤوليات مشتركة تضع الحب أمام امتحان الحياة الحقيقية.
ولهذا كانت تبدو أحيانًا أجمل من الواقع؛ فالكلمات حين تأتي عبر الشاشة تستطيع أن تصنع عالمًا كاملًا، لكنها لا تكشف بالضرورة كل ما يخفيه الإنسان خلفها.
ومع ذلك، لم تكن مشاعر حميدة وهمًا لمجرد أنها نشأت عبر الإنترنت. كانت مشاعر حقيقية بالنسبة إليها، وكان أثرها النفسي حقيقيًا أيضًا.
تخاف أن تتعلق أكثر، وأن يصبح يومها مرهونًا برسالة، وأن تستبدل وحدة البيت بوحدة أشد قسوة إذا قرر الرجل يومًا أن يرحل.
وكان هناك سؤال آخر يلاحقها كلما نظرت إلى أبنائها:
هل يمكن للإنسان أن يبحث عن حقه في العاطفة بطريقة تجرح أشخاصًا آخرين؟
لم تكن تريد أن تتحول إلى امرأة تبرر كل شيء باسم الحرمان، ولا أن تتجاهل سنوات العشرة التي جمعتها بزوجها. لكنها لم تكن تستطيع أيضًا أن تنكر احتياجاتها، أو أن تتظاهر بأن الألم غير موجود.
لقد وجدت نفسها بين حقيقتين صعبتين: زواج طويل يستحق أن يُواجَه بالحوار والصدق، وقلب استيقظ متأخرًا، فلم يعد قادرًا على العودة بسهولة إلى سباته القديم.
فالمرأة ليست جسدًا بلا مشاعر، والرجل ليس آلة مطالبة بالأداء في كل وقت. كلاهما يتغير، ويكبر، ويمرض، ويتعب، ويحتاج إلى من يفهمه دون أن يحط من كرامته.
وإذا واجه الزوج ضعفًا جنسيًا، فإن الخطوة الأولى ليست إخفاء المشكلة أو الاستسلام لها، بل فهم أسبابها طبيًا ونفسيًا، وطلب المساعدة عند الحاجة. وإذا واجهت الزوجة حرمانًا عاطفيًا أو جنسيًا، فإن حاجتها إلى الحديث والاحتواء ليست عيبًا، ولا ينبغي أن تُدفن تحت عنوان الصبر إلى ما لا نهاية.
لكن المصارحة تحتاج إلى شجاعة من الطرفين.
أن تقول الزوجة: «أنا أشتاق إليك، وأحتاج إلى قربك»، دون أن تجعل كلامها محاكمة.
أما إذا ظل كل طرف يحبس ألمه في داخله، فقد يجد أحدهما نفسه يومًا يبحث عن الدفء خارج البيت، بينما يظل الآخر غارقًا في صمته، غير مدرك أن المسافة بينهما لم تبدأ عندما ضعف الجسد، بل عندما توقف الكلام.
النهاية التي لم تحسمها حميدة
في إحدى الأمسيات، أغلقت حميدة هاتفها بعد محادثة طويلة مع الرجل الذي أعاد إليها الفرح.
نظرت إلى المرآة، وتأملت وجهها. لم ترَ امرأة انتهت حياتها، ولا امرأة عادت فتاة في العشرين. رأت إنسانة عاشت أكثر من ثلاثين عامًا من المسؤوليات، وأحبت أبناءها، وحافظت على بيتها، ثم اكتشفت متأخرة أن لها قلبًا لم يتوقف عن الاحتياج.
وفي اليوم التالي، حاولت أن تتحدث إلى زوجها، لا عن الرجل الآخر، بل عن المسافة التي نشأت بينهما، وعن الوحدة التي لم تعد تستطيع احتمالها، وعن حاجتهما إلى أن يستعيدا لغة القرب التي فقداها.
لم يكن الحديث سهلًا، ولم تُحلّ ثلاثون سنة من الصمت في جلسة واحدة. لكن شيئًا صغيرًا تغير: للمرة الأولى، لم تكتفِ حميدة بالتظاهر بأن كل شيء على ما يرام.
أما علاقتها البعيدة، فقد أدركت أنها تحتاج إلى النظر إليها بعين مفتوحة، لا بعين امرأة أنهكها الحرمان. فالحب الذي يمنح الإنسان الأمل جميل، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قيد جديد، ولا أن يُبنى على وعود لا يختبرها الواقع.
لم تعرف حميدة في تلك اللحظة كيف ستنتهي قصتها.
بل: ماذا يحدث داخل بعض البيوت حتى يصبح الحديث عن الحب والاحتياج أكثر صعوبة من الصمت، وحتى يشعر رجل وامرأة عاشا معًا ثلاثين عامًا بأنهما غريبان، لا يعرف أحدهما كيف يمد يده إلى الآخر؟
إن الحديث عن الجنس في مرحلة التقدم في العمر ليس خروجًا عن الأخلاق، بل اعتراف بجانب من جوانب الحياة الإنسانية. والوعي به لا يعني تبرير الخيانة أو إدانة العاجز، وإنما يعني أن نفهم الإنسان قبل أن نحكم عليه.
فخلف كل باب مغلق قد توجد حكاية لا نعرفها، ووراء كل صمت قد تختبئ دمعة، وربما كان ما يحتاج إليه الزوجان ليس جسدًا أقوى فحسب، بل قلبين يتعلمان من جديد كيف يتحدثان، وكيف يسمع أحدهما الآخر، وكيف يواجهان الحقيقة دون إهانة أو هروب.
د. قاسم عبد العزيز الدوسري
قصة اجتماعية ونفسية عن حميدة، والرتابة الزوجية، والحرمان العاطفي والجنسي في منتصف العمر




















