الجمعة، 13 يناير 2023

إحياء ذاكرة المكان في فيلم "جذور" للمخرج مصطفى النبيه بقلم الكاتب والباحث/ ناهـض زقـوت

 إحياء ذاكرة المكان في فيلم "جذور" للمخرج مصطفى النبيه

الكاتب والباحث/ ناهـض زقـوت
بمناسبة حصول فيلم (الجذور) للمخرج مصطفى النبيه على الجائزة البرونزية في مهرجان الملتقى الدولي للفيلم الوثائقي - سيدي محمد في الجزائر، أعيد نشر ما كتبته عن هذا الفيلم حينما عرض في قطاع غزة.
***
يقول المثل الصيني: "الصورة أبلغ ألف مرة من الكلمة"، وتلك حقيقة لا مراء فيها، فقد توجه العالم اليوم إلى التوثيق بالصورة، وبث المعلومات والأفكار من خلال أفلام تسجيلية إخبارية أو تربوية، ولكن ثمة فرق كبير بين فيلم تسجيلي يبث مواد اخبارية، وفيلم تسجيلي يسجل ذاكرة.
تمثل السينما التسجيلية الذاكرة الحية التي تقدم الحياة الواقعية من خلال لوحات نابضة بالحياة تستخدم الواقع كمادة خام لها، فهي وثيقة عن المكان.
يأتي فيلم المخرج وكاتب السيناريو مصطفى النبيه (جذور) من أكثر الأفلام التزاماً وحرفية بآليات الفيلم التسجيلي إذ راعى فيه وحدتي الحدث والزمان بأسلوب فني خلاق من خلال تناول تجربة شخصية لعائلة فلسطينية مهجرة عام 1948 إلى قطاع غزة من مدينة يافا. وقد يعتقد البعض أن ما جاء في الفيلم من مادة تسجيلية هي مادة مكررة في أفلام عديدة، وهذا غير صحيح إلا من ناحية الموضوع، أما من ناحية التكنيك والاخراج الفني فقد تميز الفيلم بأنه يجمع ما بين الحكاية والسيرة المعبرة عن المكان بكل تجلياته الجمالية، وأخذت الصورة وخلفياتها أبعاداً تعبر عن دلالات ترسيخ جذور المكان.
لقد اعتمد الفيلم على التنقل والملاحظة، وانتقاء المشاهد من الحياة نفسها، لا من مشاهد ومناظر صناعية مفتعلة داخل الاستديو، وهو أيضاً لا يعتمد على موضوعات مؤلفة أو ممثلة في بيئة مصطنعة، ولم يعتمد على ممثلين محترفين، انما اختار شخصياته من الواقع الحي. فنجد شخصية أمال إبراهيم أبو عمارة شخصية حية تروي سيرتها وحكايتها عن المكان الماضي، وتحاول ربطه بالمكان الحالي، فهي مهجرة مع عائلتها من حي النزهة في يافا، وعمرها من عمر النكبة، لم تحمل شهادة ميلاد ولكن حافظت على هويتها بما تمتلكه من ذاكرة، ومن وثائق تعرضها في الفيلم عن أملاك عائلتها في حي النزهة، وهوية جدها عام 1935، وكذلك رخصة سلاحه المخصص لصيد الطيور، التي تبرز من خلالها معنى الحياة التي كانوا يعيشونها على أرضهم، حياة الاستقرار والترفيه والهدوء المنسجم مع الطبيعة، فقد كانت مفعمة بالسعادة وهي تروي عن يافا وحياة البلاد كما سمعتها من أمها وأبيها، وعن زراعة البرتقال وتصديره إلى دول العالم.
وكان المخرج مصطفى النبيه، يحرك الكاميرا في أحياء وأماكن غزة القديمة والحديثة عوضاً عن عدم قدرته على نقل المشاهد الحية في بيئتها الأصلية، فنجد أمال أبو عمارة تتجول في المكان الذي عاشت فيه أسرتها بعد الهجرة وهو الحي القريب من الجامع العمري بغزة، فهذا المكان الأثري والتاريخي لا يقل مكانة أثرية وتاريخية عن حي النزهة، وهنا عاشت سني حياتها الأولى ودراستها الأساسية قبل أن تنتقل عائلتها للعيش في مخيم المغازي.
في محاولة لتعميق الذاكرة تتحرك الكاميرا مع أمال أبو عمارة في مقبرة المغازي حيث يرقد قبر والدها إلا أنها لم تجده، فقد دمر الاحتلال شواهد القبور فلم تتعرف على قبر والدها، وهنا تقول: "لم يرحمونا أحياء أو أمواتاً"، وتأخذ في رسم معالم مأساة الفلسطيني الذي شرد بفعل النكبة وتعدد مقابرهم بعد أماكنهم، فأخويها دفنا في مقبرة القاهرة، وأختها في مقبرة السعودية، وأختها الأخرى في مقبرة ليبيا، وأخيها الأكبر الذي تخرج من المدرسة العامرية في يافا، وأحيا تلك المدرسة في المغرب بأنشاء مدرسة تحمل اسم العامرية، توفى ودفن في مقبرة المغرب، وما زالت عائلته تعيش هناك، هذا هو واقع الشعب الفلسطيني بعد أن هجر قسرياً من أرضه إلى المنافي والشتات.
أن تسجيل الذاكرة اعتمد على تسجيل أحداثاً وقعت بالفعل، يعمقها من خلال التبادل السردي ما بين شخصية أمال وزوجها علي طقش ابن بلدة اسدود الذي يروي الأحداث التاريخية التي مر بها كنموذج لمأساة الفلسطيني ومعاناته، حيث يبدأ من الهجرة، والحياة في البلدة، فهذا والده الفلاح المزارع الذي أصبح تاجراً، والذي يعشق بحر اسدود والسباحة فيه، ويستشهد عام 1948، وتعيش الأسرة مأساة اللجوء والتشرد، ولم تتركهم الطائرات الاسرائيلية، بل لاحقتهم في المخيم عام 1956 وهناك يستشهد أخيه عبد الله، ويصاب أخيه عبد الحميد في يده، وياسين في القدم. ثم سفره إلى مصر للدراسة، وشعوره بالنضج السياسي والثقافي.
ما زالت ذاكرة آمال مفعمة بذكريات البرد والجوع وقسوة المخيم، وقصف الطائرات وغارات الصواريخ، فتذكر قصف منطقة الزيتون التي عاشت فيها مع عائلتها عام 1956، ودراستها في مدرسة الزهراء الثانوية ومديرتها يسرى البربري التي كان لها دور كبير في ترسيخ ثقافة العودة لدى طالبات المدرسة. وتتحرك الكاميرا باتجاه المنزل الذي كان في حي الزيتون، فنشاهد أطلال المنزل، وهي تتحرك مع الكاميرا وتتنقل من شارع الكمالية هذا الشارع الذي تذكر مقتل طفلة فيه عام 1956، ونقلها راهب الكنيسة، ذكريات كثيرة ترويها عن بيوت غزة القديمة، تلك الذكريات ما زالت حية وراسخة في أعماقها منذ خمسينيات القرن الماضي، وما زالت نفس الأحداث والمآسي تلاحق الفلسطيني بعد ما يزيد عن سبعين عاماً من اللجوء والتشرد.
تتمازج صور الماضي مع صور الحاضر دون احساس بالتناقض، فتاريخ الصورة ما زال حاضراً في الذاكرة، وصورة الحاضر هي ما تعيشه أمال أبو عمارة بعد عودتها إلى قطاع غزة إثر اتفاق اوسلو، وقد أصبحت باحثة في التعليم المتكامل.
إذا كانت الغربة هي عدم الاحساس بالمكان، فقد ركزت الكاميرا على ابراز تجليات المكان وجمالياته، لكي تعمق الاحساس بالمكان المفقود، وهنا ركزت الكاميرا كثيراً على مشاهد البحر حيث وضعت الزوجين في كادر الصورة على الشاطئ يتمشيان، أو على سفينة في قلب البحر، أو يروي ذكرياته على مقعد على الشاطئ. إن البحر يعطينا دلالة على فضاء الحرية التي بدأ الزوجين الشعور بها بعد عودتهم إلى وطنهم. لذلك تتجول الكاميرا معهم في منزلهم، وفي شوارع مدينة غزة، وفي منتزه البلدية، وفي الجندي المجهول، وفي شوارع المخيم، وفي أماكن غزة القديمة، فالكاميرا لم تستقر على الشخصية لتروي، بل أخذت الشخصيات إلى أماكن متعددة لكي تروي ذكرياتها، فكانت دائمة التنقل والحركة، مما أعطي للفيلم قيمة بصرية جمالية عالية.
كانت العودة بالنسبة لهم حلم تحقق، وكما قال الزوج "العودة إلى غزة هو الحلم الأصغر، فيه نجمع العائلة على أرض فلسطين، على أمل أن يتحقق الحلم الأكبر بالعودة إلى أرضنا"، ويحكي عن تغيرات النظرة بين الأجيال في مسألة الهوية، وذلك بتأثيرات النكبة. فهو يختلف عن أبنائه في مسألة الحنين إلى الوطن، حيث أغلبهم في بلدان اوروبية، لم يعرفوا فلسطين إلا من خلال الصورة أو الحكاية، أما هو فمازال عشقه الدائم للعودة راسخاً في وجدانه وذاكرته، ويتطرق إلى العلاقات العربية اليهودية في فلسطين التي كانت حسنة وثمة تعاون، ولكن الصهيونية قلب معادلات تلك العلاقة.
بعد العودة عمل الزوج في بلدية غزة، أما الزوجة فقد أعاد لها الوطن ما كانت تشاهده في البلدان التي زارتها من عملية الربط بين التعليم واللعب، واهتمام الشعوب بإحياء تراثها، فبدأت تجربتها الذاتية في تعليم الأطفال وإحياء أشكال التراث الشعبي الفلسطيني لدى الأجيال الجديدة، ومنها الأغاني التراثية، والألعاب القديمة، وأغاني الأفراح، والطائرات الورقية التي تبنتها وكالة الغوث، ورسمت الكاميرا ملامح من تلك الألعاب بطريقة حية وفعل مباشر. وهنا استعان المخرج بعدد من الأطفال لكي يعمقوا المشهد بتمثيل مشاهد حية من هذه الألعاب أو الأغاني، أما أغاني الأفراح فكانت النساء حاضرات ليمثلن مشهد الفرح كما رسمته أمال برؤية تراثية لتلك السيدات.
وإذا غاب المكان في أذهان الأطفال يبقى التراث أداة لترسيخ جذور المكان في الذاكرة، ومن خلال التعليم نستطيع أن نبقي ذاكرة أجيالنا الجديدة حية ومتفاعلة، تلك هي رسالة المخرج التي حاول أن يوصلها من خلال شخصية أمال أبو عمارة وزوجها. وقد نجح كثيرا في رسالته، فيشعر المشاهد بأن ثمة ترابط وانتماء للمكان لدى الفلسطيني، ناقضاً بذلك كل محاولات التزييف التي تبثها الحركة الصهيونية، لهذا نعتقد أن رسالة المخرج لم تكن للواقع المحلي الذي يعرف كثيراً عن تفاصيل الحكاية، إنما هي رسالة للرأي العام الأوروبي والغربي الذي يصدق الرواية الاسرائيلية الزائفة. فيقدم له الفلسطيني صاحب الحكاية والرواية بشخصيته وبلسانه ليروي حكاية المكان الذي فقد جذوره فيه، ولكنه ما زال محافظاً على هذه الجذور بالذاكرة والتراث.
Peut être une image de 2 personnes et étendue d’eau

انتقاد الواقع الاجتماعي في فلسطين في رواية "أبو جلدة" لحلمي أبو شعبان بقلم الكاتب والناقد/ ناهــض زقــوت

 انتقاد الواقع الاجتماعي في فلسطين في رواية "أبو جلدة" لحلمي أبو شعبان

الكاتب والناقد/ ناهــض زقــوت
إن الذاكرة الوطنية لا يدركها النسيان حين تكون تلك الذاكرة معمدة بالدم، فما زالت السهول والوديان والجبال في فلسطين مزروعة برايات البطولة، ربما لا يدركها الكثيرون أو تغطت بطبقة من الرماد، ولكنها ذاكرة تشي بها الأرض حين تنبش ترابها، فتخرج حكايات البطولة لتروي فصول الدم، فذاكرة الأرض لا يصيبها الخرف أو النسيان.
أبو جلدة والعرميط .. ثائران ضد الظلم:
بعد ما يقارب الثمانين عاماً ما زالت مغارة أبو جلدة في أعالي جبل طمون في محافظة طوباس مزاراً للعديد من الباحثين والسياح والهواة والمغامرين، فهي التي شهدت مأمنه وكفاحه ضد الظلم والاستعمار، فأصبحت من أشهر المعالم الأثرية في قرية طمون، تلك القرية التي شهدت ميلاد ونضال الثائر الفلسطيني أبو جلدة ورفيقه العرميط.
لقد فاقت شهرتهما الآفاق، وكتبت عنهما الصحافة المحلية والعربية: كالدفاع، وفلسطين، والجامعة الإسلامية، والمقتطف، والمقطم، والصحافة الأجنبية في بريطانيا وفرنسا وأمريكا، فقد كتبت مجلة (لو) الفرنسية عن أبي جلدة تقول: "تجاوزت شهرة أبو جلدة حدود ما أحرزه مفتي فلسطين الأكبر، وأصبح معروفاً أكثر من مدير المهاجرة والباسبورت المستر جامسون". ونسج الأهالي القصص والحكايات حول بطولاتهما، وتغنى بهما الشعراء والزجالون حتى تحولا إلى أسطورة في النضال ومقاومة الاحتلال البريطاني.
أبو جلدة والعرميط فلاحان فلسطينيان من نابلس، فأبو جلدة وهو أحمد حمد المحمود من قرية طمون شرقي نابلس، والعرميط هو صالح أحمد مصطفى العديلي من قرية بيتا جنوب نابلس. فر أبو جلدة من الخدمة العسكرية في زمن الدولة العثمانية، وعمل عتالاً في ميناء حيفا، وهناك تعرف بأوفى أصدقائه ورافقهم في رحلة الكفاح ضد الاحتلال البريطاني. تأثر بالمثقف والأديب سليمان العامري، وبالشيخ عز الدين القسام أثناء سماعه الخطب في مسجد الاستقلال في حيفا. أما رفيقه العرميط فهو من مواليد أواخر العهد التركي، وكان وحيداً لوالديه، وعرف بنشاطه وحيويته وجرأته منذ الصغر، وكان يعد الأقوى بين أبناء جيله، وعمل بالزراعة والفلاحة كسائر عائلته وأهل قريته.
أسس أبو جلدة خلية ثورية لمقاومة الاحتلال البريطاني يسانده عدد من الرجال، وعين العرميط نائباً له مطلق الصلاحيات، وذلك في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، وتحديداً في السنوات من 1930 إلى 1934، وقد أرهقت هذه الخلية السلطات البريطانية طوال تلك السنوات في عملياتهم الفدائية، كما أن أبو جلده ورفاقه لم يرحموا الفلسطينيين (سماسرة الأرض) الذين ازدادت ثرواتهم في العهد التركي، وأرهقوا الفلاحين حتى عجزوا عن سداد ديونهم واضطروهم للتنازل عن أرضهم. هؤلاء وضعهم أبو جلدة ورجاله في صف الإنجليز والصهاينة، ووجهوا لهم ضربات قاسية. كان اسم أبو جلدة مثار رعب للجنود البريطانيين، وكبار جنرالاتهم، وللتابعين محلياً لهم، فهو يضرب ويختفي، ولا يترك أثراً، واستنفذت السلطات البريطانية طاقات قصوى في القبض عليهما من خلال استخدام قوات شرطة ترتدي الزي الفلاحي، وزرع العسس والمخبرين لمتابعتهم، ونصب الكمائن على الطرقات، ومطاردتهم في كل مكان، والاعلان عن جائزة مالية وصلت إلى 350 جنيهاً لمن يساعد في القبض عليهما، ونشر الإشاعات التي تقول بأنهم لصوص وأشقياء وقطاع طرق، وعلى الناس الحذر من عصابتهم، وتبليغ مركز الشرطة عن أية أدلة أو معلومات تفيد في الوصول اليهم، لذلك لبس أبو جلدة البدلة العسكرية وحذاءً بساق طويلة، وزين كتفيه بسيوف ونجوم، كإعلان هوية ودلالة على مقاومته، ورفض لما وصم به من شقاوة وقاطع طريق.
اتبعت خلية أبو جلدة أسلوباً شبيهاً بحرب العصابات في المقاومة، والقائم على الضرب والهرب والتسلل والمباغتة والكمين، واتخذت من مغارات الجبال مسكناً وموطناً فلم تستطع القوات البريطانية الوصول إليهم، كما كانوا على وعي كافٍ بالخطر الذي يحيط بهم فعمدوا إلى تغيير أماكن تواجدهم باستمرار والتنقل الدائم بين الشمال والجنوب، وقد وجد أبو جلدة والعرميط ورفاقهما المساعدة والعون من قبل الفلاحين، وكانوا يقدمون لهم الطعام والشراب والمأوى والمبيت، وذلك تقديراً لهما على شجاعتهما ومواقفهما المشرفة في مقاومة الاحتلال.
في نيسان/ ابريل عام 1934 وقع أبو جلدة والعرميط في كمين محكم نصب لهم بعد وشاية أحد الجواسيس، وتم القاء القبض عليهما، واقتيد الأبطال إلى سجن المسكوبية بالقدس، وحكم عليهما بالإعدام، ونفذ الحكم في 26 يونيو 1934. بعد استشهادهما دخل البطلان التراث الشعبي الفلسطيني من أوسع أبوابه، فتناقلت الألسن قصتهما وحياتهما وبطولاتهما مصاغة ما بين الحقيقة والخيال، وأنشد الفلاحون الأغاني والأهازيج باسميهما.
الثائران .. وخلودهما في الذاكرة والأدب:
بعد سنوات من استشهادهما يكشف الكاتب والأديب نجاتي صدقي في مذكراته عن التقائه بالثائرين أبو جلده والعرميط في سجن المسكوبية في القدس حيث كان معتقلاً آنذاك يقول: "تعرفنا في السجن إلى رجلين شغلا حكومة الانتداب مدة طويلة في حرب العصابات. وهما أبو جلدة والعرميط، لقد ألف هذان الفلاحان مجموعة لمحاربة الاحتلال البريطاني مثل كثير من المجموعات المنتشرة في البلاد والمؤلفة غالباً من الفلاحين الذين باتوا بلا أرض أو عمل". ويصف هاتين الشخصيتين قائلاً عن أبي جلدة بأنه "رجل نحيل الجسم، قصير القامة"، أما عن العرميط بأنه "رجل قوي البنية، شديد البأس". كما يخبرنا عن مطلب العرميط من أمه حين زارته، إذ قال لها "أن تحضر معها خنجراً في الزيارة القادمة لأنه سيضعه معه في قبره، وسيذبح به الخائن الذي وشى به. بينما كانت أخر كلمات أبو جلدة الذي تقدم إلى حبل المشنقة غير آبه بالضباط البريطانيين قائلاً: "بخاطركم يا شباب.. فلسطين أمانة في أعناقكم.. إيّاكم أن تفرطوا في حبة رمل من أرض فلسطين".
وقد تخلدت سيرة أبو جلده ورفاقه إلى جانب الأغاني والحكايات الشعبية، في الكتابات الأدبية وقصائد الشعراء، فهذا الشاعر اللبناني سلام يواكيم الراسي (1911-2003) يرثي أبا جلدة بعد إعدامه بقصيدة يصفه فيها بأنه "نبي الأمة" بعنوان (هل من نبي في فلسطين يسلم؟). ونشرت مجلة اللطائف العصرية في بيروت لصاحبها ومحررها أديب يوسف صادر رواية عن أبي جلدة بعنوان (الرواية التامة: الثائر أبو جلدة) وذلك في عددها الصادر في 6 أيار/ مايو 1934. وقد اتخذت الكاتبة الفلسطينية حنان بكير من هذه الرواية/ الوثيقة مادة لكتابة روايتها (قصة الثائر محمد محمود أبو جلدة) الصادرة عن دار نلسن في بيروت سنة 2014. ونشر الكاتب المصري توفيق حبيب ضمن كتابه (أبو جلدة وآخرون) الصادر في القاهرة سنة 1935 ملامح من سيرة وحكايات أبو جلدة متوافقة مع رواية السلطات البريطانية عنه. وكتب الشاعر هارون هاشم رشيد سيرته في كتاب (أبو جلدة والعرميط: يا ما كسرا برانيط - حكاية حقيقية من بطولات المقاومة الشعبية الفلسطينية) الصادر عن دار مجدلاوي في عمان سنة 2007. وقامت مجموعة من الفنانين والكتاب الفلسطينيين بصياغة قصة أبو جلدة والعرميط في (كتاب قصص مصورة) وصدر عن مجموعة معتوق، وعرض في بينالي الشارقة 13، في آب/ أغسطس 2017.
أبو جلدة .. كتابة مغايرة:
رغم هذه الكتابات التي أشار إليها الباحثون والنقاد إلا أنهم لم يذكروا من بينها أول كتاب عن أبي جلدة في التراث الأدبي الفلسطيني، وهي رواية (أبو جلدة) للكاتب الفلسطيني حلمي أبو شعبان، والصادرة في طبعتها الأولى عن مطبعة الجامعة الاسلامية في يافا سنة 1934، وأعادت نشرها في طبعة ثانية وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله سنة 2022، ضمن سلسلة الموروث الثقافي.
تعد رواية (أبو جلدة) أول رواية تنشر لكاتب فلسطيني من سكان مدينة غزة قبل النكبة. فكاتبها هو الأديب والصحافي حلمي مصباح أبو شعبان من مواليد حي الزيتون بمدينة غزة سنة 1911، تلقى تعليمه الابتدائي في المدرسة الرشيدية (مدرسة هاشم بن عبد مناف)، ثم أرسله والده للكلية العربية في القدس.
بدأ حياته الصحفية محرراً في جريدة صوت الحق لصاحبها المحامي فهمي الحسيني. ثم عمل كاتباً في بلدية غزة سنة 1930، ثم عين سكرتيراً وأمين صندوق لبلدية غزة سنة 1934. في سنة 1946 خاض انتخابات بلدية غزة ممثلاً عن منطقة الرمال، وأصبح عضواً في مجلس البلدية.
افتتح سنة 1940 أول مكتبة في مدينة غزة (المكتبة الهاشمية)، وبذلك افتتح المجال لاستقبال الصحف والمجلات والكتب المصرية في غزة. عمل مديراً لأول فرع للبنك العربي في غزة سنة 1945، كما تولى على مدار عشر سنوات مناصب إدارية رفيعة في فروع البنك العربي بمصر، وبقي في عمله حتى نكسة حزيران 1967 حيث قدم استقالته، وغادر إلى مصر مع أبنائه، وعاد إليها في سنة 1972.
كان شاعراً وأديباً وصحافياً، وقدم برنامج "حديث المساء" في إذاعة "هنا القدس" سنة 1936. وكتب عشرات القصائد وعدداً من الكتب، والعديد من المقالات الوطنية والسياسية والاجتماعية والانتقادية في الصحف والمجلات الفلسطينية والعربية قبل النكبة، وقد أجرى العديد من اللقاءات مع مسؤولين، وكان يدونها تحت عنوان (من منازلهم) وينشرها في جريدة غزة التي أسسها خميس أبو شعبان سنة 1951. توفي في مدينة غزة يوم الأربعاء 11/1/1978.
عتبات النص:
يتخذ الكاتب عدداً من العتبات النصية في داخل متون الكتاب، بخلاف عتبة العنوان التي تعد واحدة من العتبات، وهذه العتبات تشكل مدخلاً تفسيرياً وعتبات سياقية متوافقة مع ما يحتويه السرد من أحداث، وجاءت كالتالي: "معجب، عفريتي، نزهة، ما قال، أبو جلدة، الدرس القاسي، الزعيم، العرميط، ولهذا أنا معجب". أما عنوان الرواية (أبو جلدة) نجد الغلاف يحمل إلى جانب العنوان صورة أبو جلدة نفسه، كأن الكتاب يوحي للقارئ أن الكاتب يتحدث عن الثائر أبو جلدة وبطولاته، ولكن حينما يتعمق في النص، يكتشف أن الكاتب لم يسع إلى كتابة رواية عن حياة أبو جلدة وأعماله وأفعاله، ونضاله ضد القوات/ السلطة البريطانية، والأسباب التي دفعته للنضال، كما أنه لم يوضح هل كتب هذه الرواية في حياة أبي جلدة، أم بعد اعدامه لأنه أعدم في نفس عام صدور الرواية؟.
لقد اتخذ الكاتب من هذه الشخصية وسيلة أو صوتاً يعبر من خلالها عن انتقاد السياسية العامة في فلسطين، وشخوصها من السياسيين، وكان قاسياً في انتقاده للسياسيين وممارساتهم، وكذلك العرب في تخليهم عن فلسطين وثرواتها، وفي موقف الناس ونفاقهم. بمعنى أن أبا جلدة في انتقاده هو السارد من خلال حواره مع الكاتب الذي أطلق على نفسه "الصحفي الصغير" ، وفي الحقيقة أن أفكار ورؤى أبو جلدة هي نفسها أفكار ورؤى الكاتب/ السارد نفسه.
وفي هذه الرواية يحاول الكاتب أن ينفي عن أبي جلدة تهمة أنه قاطع طريق، ويؤكد أن ثائر وطني، ويكشف سر إعجابه وإعجاب الناس والإعلام بهذه الشخصية البسيطة المعجونة بتراب الأرض، ولم تلوثها مباهج السلطة، ولم تسع نحو الكراسي والمجد الشخصي الزائف.
الأحداث وبناء الرواية:
يتخذ الكاتب من ضمير الأنا المتكلم والحوار وسيلتين في سرد الأحداث، واستخدام هذا الضمير يدل على طغيان الجانب الذاتي على النص بغرض إثبات الانتماء والهوية، وتوصيل رسالته الانتقادية للقارئ.
ليس ثمة مكان محدد لسرد الأحداث، إنما المكان فلسطين وهي التي تشكل الفضاء العام للأحداث، وعندما زار أريحا وكانت مكان اللقاء مع أبي جلده قدم وصفاً عاماً يهدف من خلاله توصيل فكرة ضياع بحيرة لوط (البحر الميت) من أيدي العرب إلى الأيدي الغربية، يقول: "أمامي مروج خضراء، بديعة التنسيق، ومساحات واسعة من الموز وبين هذه وتلك "بحيرة لوط" الهادئة الصامتة، فتخيلتها حزينة باكية لأن الأيدي العربية لم تعرف قيمتها، فتهاونت في إعطائها للأيدي الغربية"(ص٣٩).
أما بالنسبة للزمان فلم يشر الكاتب إلى زمن سرد الأحداث، كما أنه لم يشر كما ذكرنا إلى أنه كتب هذه السردية في حياة أبو جلدة أو بعد اعدامه، ولكننا نستشف الزمن من تناقله لروايات الناس وحكاياتهم عن أبي جلدة، بأن الزمن هو حضور أبو جلدة على مسرح العمل النضالي. وثمة دلالة أخرى قد نستشف منها الزمن، وهي وجود الكلب (معتوق) مع أبي جلدة حين مقابلته للسارد، وذكره بأن هذا الكلب هو كلبه الأمين المخلص الذي يعتمد عليه أكثر من العصابة(ص40). إن وجود الكلب ودلالات وصف أبو جلدة له بالوفاء والاخلاص يعطينا دلالة على الخيانة التي تعرض لها أبو جلدة من أحد رفاقه، فقد أصبح الكلب أكثر وفاءً واخلاصاً من الإنسان، وهذا يعني أن الزمن بعد اعدام أبو جلدة. لهذا يبقى الزمن ملتبساً ولكنه لا يؤثر على أحداث الرواية.
وفي بناء الحكاية تغيب الشخصيات وتبقى شخصية السارد (الصحفي الصغير)، وهو الكاتب نفسه، المهيمنة على السرد، فنحن أمام راوٍ وحيد، ولكنه يستعين بأدوات شخصية كي تساعده في رواية حكايته دون أن يبرز ملامحها، فهذا العفريت قرين السارد، وشخصية أبو جلده، والأصدقاء الذين يذهب معهم في نزهة إلى أريحا، لم نتعرف على أحد منهم، غير إشارة أنه ذاهب مع أصدقائه في سيارتهم.
نجد شخصية العفريت يستلهما على طريقة الشعراء الأقدمين الذين كان يقال عنهم أن لكل شاعر شيطان يهديه إلى قول الشعر. يسجل الكاتب لنفسه عفريتاً يرشده ويستعين به في جلب المعلومات وتفسير بعض الغوامض، يقول: "لست بحاجة لتقديم عفريتي إلى القراء، فكما أن للشاعر شيطاناً، كذلك للكاتب عفريت، وقرائي يعرفون مدى تأثير عفريتي على قلمي، فأستميحهم العذر إذا احتجت إليه، واستعنت به في مهمتي الشاقة فهو عندي جاسوس "لاسلكي" ، ومنجم وكل شيء، ولا طاقة لي على بعده"(ص٢٥). لقد أصبح العفريت أداة من أدوات السارد في بناء الأحداث، فعندما سأله السارد عن أبي جلدة، قال له أنه شخصية خطيرة، وسوف يجمعه معه في يوم من الأيام دون أن يشعر به. وهذا ما تحقق عندما جمع بينهما العفريت أثناء استراحة السارد عند صخرة في أريحا، وعندها ظهر أبو جلدة وتبادلا الحديث، ولم يعرف السارد هل هو في وعي أم حلم، وهل كان صحواً أم مناماً، وهذا ما فعله العفريت معه "دون أن تشعر".
إن علاقة الكاتب بالعفريت علاقة قوية وذات جذور في مسيرته الصحفية، فهو كان يكتب مقالاته في جريدة "مرآة الشرق" تحت باب بعنوان (خطط عفريت).
أما شخصية أبو جلدة فهو أصل الحكاية، ولكنه يتسامى في حكايته عن سيرته وحياته الشخصية والنضالية، فلم يذكر غير اسمه وحديث الناس والإعلام عنه يقول: "رجل فلاح اسمه محمد المحمود من قرية طمون بجوار نابلس، اعتقلته السلطة وهو متليس بجريمة نكراء، فأودعته السجن، وهرب أبو جلدة من السجن، وأصبح في نظر العدالة مجرماً فاراً"(ص٢٠). كان بالنسبة للسارد مثار رعب وخوف، فهو في نظره "رجل جبار تعنو له الرقاب، وترتعد من رؤيته الفرائص"(ص٣٠)، وقد وصل به الأمر أن قرأ "الصمدية" تعوذاً من اسم أبو جلدة، وقد سخر منه صديقه حينما شعر بخوفه، فاقترح عليه أن يقطع له "الخوفة". إن الكاتب يحاول أن يعكس صورة أبو جلدة في أذهان الناس والدرجة الكبيرة التي وصل اليها، فقد أصبح شخصيةً مرعبة الكل يهابه ويحسب له ألف حساب، حتى الشرطة البريطانية منتشرة على الطرقات لتعقبه.
وفي نفس الوقت كانت بالنسبة للسارد مثار إعجاب. ويكشف عن اعجابه بهذه الشخصية التي لم يلتق بها حقيقة إنما كما يرى النائم، فهو تخيل لقاءه مع أبي جلدة وحديثه معه، هذا الحديث الذي شكل شخصية أبو جلدة، وعبر من خلاله عن السياسة العامة وانتقاده للسياسيين، ومن هنا جاء سر الاعجاب به. ولكننا ندرك أن أبا جلدة هو فلاح بسيط لم ينل قسطاً من التعليم حتى يتحدث في السياسة وينتقد السياسيين، إلا أن الكاتب اتخذ منه أداة لتوصيل أفكاره لما يمثله من رمزية نضالية لدى الجماهير.
الخيال الشعبي .. وانتقاد الواقع:
تعد الشخصيتان أبي جلدة والعرميط من أكثر الشخصيات التي هيمنت على الذاكرة الشعبية، ونسج الخيال الشعبي حولهما العديد من الحكايات والروايات التي توحي بقدراتهما الأسطورية في مواجهة القوات البريطانية، وقد أشار السارد إلى العديد من هذه الحكايات التي تشير إلى أن أفعالهم فوق العادة (ص٣٥-٣٦). نجد عشرات القصص والحكايات رويت عن أبو جلدة، وهي قصص يتداولها الناس، إلا أن السارد/ الكاتب يؤكد أنه "لا يصدق كل ما يقال عن أبي جلدة"(ص٣٥) ولكنه ينقل للقراء بعض هذه القصص كنوع من نقل أحاديث الناس التي تعبر عن شجاعته واقدامه، لذا ينقل هذه الأحاديث على لسان أخرين يرددونها بكل إعجاب. كما يشير إلى أن أغلب الصحف في فلسطين تملأ أعمدتها بأخبار وحوادث عن أبي جلدة، ويؤكد في موضع آخر عن رؤيته لهذه الأخبار قائلاً: "ولسنا نثق بكل ما يقال عنه، وإنما أوردنا ذلك على سبيل التفكه واطلاع القراء على ما يقال"(ص٣٦).
يفتتح الكاتب روايته بسؤال يستمده من حكايات الناس ورواياتهم عن أبي جلدة، فهو يكتشف أن هذه الحكايات هي تعبير عن اعجاب الناس بهذه الشخصية، ويؤكد أنه هو نفسه معجب بأبي جلدة، رغم الخوف منها، فهذا الخوف هو انعكاس لما في نفسيات الآخرين منه، ويتساءل عن سر الاعجاب بهذه الشخصية "فهل هو ساحر، أو جاء يحمل عصا موسى، أو لديه مزايا قلبته من مجرم فار إلى بطل يتحدث عنه الناس"(ص21)، ويسجل في فصل (معجب) دلائل هذا الاعجاب عند الناس، حتى لم يبق أحد وإلا معجب به، فقد تحول من مجرم فار من وجه العدالة إلى بطل وطني يتحدث عنه الناس. بل وصل الحال بالباعة المتجولين أن ينادوا على بضائعهم باسمه فيقولون: "تفاح أبو جلدة يا تفاح، مال أبو جلدة يا رطب، عنب أبو جلدة الله ينصرك يا عنب"(ص19).
ويبرر دور الحاضنة الشعبية بما طرحه صديقه عليه من قصة عصابات الأناضول ومكانتها عند الناس، والفرق بينها وبين عصابات أخرى(ص٣١-٣٢)، لقد أشار الكاتب إلى هذا المثال لكي ينفي ما أطلقته السلطات البريطانية على أبي جلده وأعوانه من أنهم عصابة، أي قاطعي طريق ومجرمين، وبالتالي يؤكد أن أمثال هذه العصابات كان موجوداً في كل زمان ومكان، وأن مفهوم "عصابة" ليس بالضرورة تحمل معنى الإجرام، بل إن عصابة تعني جماعة من الناس يسعون وراء هدف محدد، وتربطهم مصلحة مشتركة، وهذا ما كان من نظرة الأهالي إلى أبو جلدة وعصابته فهم من يعينون قومهم على رفع الظلم وحمايتهم. وبالتالي وجدت أمثال هذه العصابات حاضنة شعبية تساهم في اطالة أمدها، لما كانت تقدمه للناس من اعانات وهدايا. وهذا بالتالي ينعكس على عصابة أبو جلده ورفاقه، فهم كانوا يحاسبون الأغنياء وسماسرة الأرض على أفعالهم، وليس فقط مقاومة الجنود البريطانيين واليهود، لذلك احتضنتهم الناس ووفرت لهم المأمن والمأكل والمشرب.
يبتعد الكاتب/ السارد عن حكايات الناس ويقدم شخصية أبو جلدة بطريقة مغايرة، فهو رجل سياسية ويفهم خفايا السياسيين وأفعالهم، يستشف منها الأسباب التي دفعت أبو جلده وأمثاله إلى الخروج ومقاومة السلطات البريطانية، وتتلخص في فشل السياسيين في الدفاع عن فلسطين وشعبها، يقول أبو جلده في حواره مع السارد: "عيوبنا لا تحصى، ولكن قل لي أي خير ترتجيه أمة قادتها موظفون لدى السلطة"(ص٤٣). فيجد نفسه أمام رجل غير عادي، ويعبر السارد عن اندهاشه من معرفة أبو جلدة بالسياسة، حين يبدي معرفته السابقة بالصحفي الصغير من خلال مقالاته في الصحف، وحينما يبدي اعجابه عندما يقوم كلبه (معتوق) بتمزيق الصحف التي في حوزة السارد، مما يعطي دلالة على رفض ابو جلدة للصحافة والاعلام وكره السياسة، فهؤلاء السياسيين في نظره هم الذين ضيعوا ثروة البحر الميت، يقول: "هذا البحر الميت منبع ثروة عظيمة في فلسطين خسرها العرب أو ضيعتها السياسة من العرب"(ص٤٢). ودلالة هذا الحديث يرجع إلى منح الامتيازات للشركات اليهودية لاستخراج الاملاح من البحر الميت لصالح اليهود وليس لصالح العرب. لذلك يطرح أبو جلدة على السارد سؤاله الاستنكاري: هل في فلسطين عربي واحد حزين على ضياع هذا الكنز"(ص٤٢).
يمثل اللقاء بين السارد وابو جلدة جوهر الرواية، فهو اللقاء الذي يكشف عن موقف أبو جلدة من الواقع الفلسطيني سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي، ويكشف من خلاله أن ضياع فلسطين كان بسبب هؤلاء السياسيين الذين يعملون موظفين لدى الاحتلال، فيقول: "إن الوظائف العالية أصبحت وقفاً على طبقة الذوات المسيطرين على الحركة الوطنية وقادة المظاهرات، عملاً بقاعدة اطعم الفم تستحي العين"(ص٤٣)، فكيف يرتجى منهم الخير، وينتقد مظاهراتهم متسائلاً ما الفائدة منها، وحينما يرد السارد: اسمعنا صوتنا للخارج". بكل سخرية يقول أبو جلدة: "أي صوت مخنوق هذا الذي بعثتموه، لم يسمع العالم غير أنين الجرح وحشرجة أرواح القتلى"(ص٤٣). كما ينتقد الانتخابات وانشغال السياسيين والأهالي بها(ص٤٨).
ولا يكتفي ابو جلدة بانتقاد السياسيين بل ينتقد أيضاً الواقع الاجتماعي حيث الشبان يتلهون بمصاحبة اليهوديات، وانغماسهم في الشراب، وموقف الناس ونفاقهم الذي جعلهم يقولون "عن السمسار "زعيم"، وعن الخائن "الوطني الكبير"، ونغدق الألقاب على هؤلاء ونحن واحسرتاه في دور الانتحار"(ص٤٤).
إن الحوار بين السارد/ الصحفي الصغير وأبو جلدة يعبر عن أزمة الواقع السياسي - الاجتماعي الفلسطيني في ظل الاحتلال البريطاني، وانتقاد دور السياسيين وتعاونهم مع سلطات الاحتلال، وانشغالهم بالصراعات الحزبية والعائلية، والبحث عن الكراسي والمجد الشخصي، دون الاهتمام بمصالح الشعب والوطن. ويؤكد أبو جلدة أنه لا بوجد بين عرب فلسطين من يتأثر أو يغار على ضاع البلاد، غير كلبه معتوق الذي فهم مغزى الحديث فعفر نفسه بالتراب.
لقد تعلم السارد درساً قاسياً من أبي جلدة، مما زاد اعجابه، بل كشف عن سر اعجاب الناس به، وعبر عن رؤيته لابي جلدة فهو زعيم وليس قاطع طريق يقول: "لا يزال يسمو هذا الرجل في عيني شيئاً فشيئاً، إنه ليس كلاماً ولكنه أستاذ (برفسور) فتارة يحدثك في السياسة، وطوراً في علم الاجتماع، وحيناً في علم النفس ... الرجل زعيم، الزعامة تخلق الرجال وتكون الشعوب"(ص٥١).
الرؤية الكلية للنص:
إن هذه الرواية لم تكتمل أركانها الفنية، ولم يصنفها كاتبها على أنها رواية، بمعنى أنه لم يسجل على غلافها أنها رواية، بل ترك للقارئ تحديد ماهية هذا الكتاب. ونحن لا نعتبرها رواية بالمعنى الفني للرواية بل هي أقرب إلى الحكاية أو القصة الطويلة، فهي لا ترتقي للرواية التي تمتلك الشروط الفنية من حيث تبلور الشخصيات والأحداث والزمان والمكان والحبكة، فقد اتخذ الكاتب من نفسه سارداً يروي الحكاية، وجعل من شخصية أبو جادة صوته المعبر عن رؤيته وأفكاره تجاه السياسيين وأفعالهم، وذلك في سعيه لانتقاد السياسة العامة في فلسطين، ليؤكد أن أبا جلده وأمثاله ثاروا على الاحتلال البريطاني نتيجة تراجع السياسيين عن دورهم في النضال، وخضوعهم للسياسة البريطانية من أجل مصالحهم الذاتية.
ورغم ذلك تبقى هذه الرواية خاضعة لشرطها التاريخي في كتابة الرواية، التي كانت تستمد شروط كتابتها بما يتوافق مع رؤية الناس للرواية، بأنها رواية اجتماعية تعليمية تهذيبية، فلم يخرج الكاتب عن هذه الشروط، بمعنى أنه سعى لتقديم رؤية انتقادية اجتماعية للواقع السياسي في فلسطين، من خلال رسالة تعليمية للناس بأن السياسيين هم سبب البلاء في البلاد بتعاونهم مع السلطات البريطانية، وأن صراعهم ليس من أجل الوطن بل من أجل مصالحهم الذاتية. وبالتالي هو يؤكد دوره كمثقف في التصدي لهؤلاء السياسيين في كشف عيوبهم وممارساتهم التي لا تعبر عن انتمائهم للوطن بل للكرسي وحب الظهور.
Peut être une image de 3 personnes et texte

المجد لفارس القصيدة: قراءة في كتاب "مدارات الشعر المقاوم في شعر عبد الناصر صالح" بقلم الكاتب والناقد/ ناهـض زقـوت

 المجد لفارس القصيدة: قراءة في كتاب "مدارات الشعر المقاوم في شعر عبد الناصر صالح"

الكاتب والناقد/ ناهـض زقـوت
يمثل الشعر ديوان العرب، والأطول عمراً بين كل الفنون الأدبية، وأداة تحريك للمشاعر الوجدانية والمحرض على الكلمة الثورية. وقد سجل التاريخ أسماء المئات بل الآلاف من الشعراء الذين صدحوا بالقصيدة وحلقوا بها في سماء المجد عالياً، ومن هؤلاء الشاعر الفلسطيني عبد الناصر صالح الذي يعد من أبرز شعراء فلسطين، وصاحب الكلمة الحرة المعبرة عن سعة أفقه، وعمق ثقافته، وغزارة تجربته الشعرية.
الشاعر عبد الناصر محمد علي الصالح التايه من مواليد مدينة طولكرم سنة 1957، تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس مدينته، وأنهى الثانوية العامة في المدرسة الفاضلية بمدينة طولكرم. انتمى مبكراً لحركة فتح، ومؤسس ورئيس حركة الشبيبة الطلابية، ولجان الشبيبة للعمل الاجتماعي، ونائب رئيس مجلس اتحاد الطلبة في جامعة النجاح الوطنية (1979-1984). اعتقلته السلطات الإسرائيلية عدة مرات متفرقة أمضاها متنقلاً بين سجن طولكرم وعدد من السجون.
ساهم في تأسيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين، وكان نائباً لرئيس الاتحاد منذ عام 1987 وحتى عام 2005. شغل وكيل وزارة الثقافة الفلسطينية حتى تقاعده عام 2018، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، عضو مجلس أمناء جامعة فلسطين التقنية (خضوري) بمدينة طولكرم، ومؤسس ورئيس مُلْتقى طولكرم الثقافي الفني (مطاف). مثل فلسطين في عدد من المهرجانات والمؤتمرات العربية والدولية، كما شارك في العديد من الندوات الشعرية والثقافية في عدد من الدول العربية.، ودائم الحضور والمشاركة في الأمسيات والندوات المحلية.
كتب عدداً كبيراً من مؤلفاته الشعرية في داخل المعتقلات الإسرائيلية، وترجمت العديد من أعماله الشعرية إلى اللغات الأجنبية، وحاز على الجائزة الأولى لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين عام 1990، وعلى جائزة الشعر الأولى في جامعة النجاح الوطنية عام 1980. من أعماله الشعرية: (الفارس الذي قتل قبل المبارزة ـــ سنة 1980)، و(داخل اللحظة الحاسمة ـــ سنة 1981)، و(خارطة للفرح ـــ سنة 1986)، و(المجد ينحني أمامكم ـــ سنة 1989)، و(نشيد البحر ـــ سنة 1991)، و(فاكهة الندم ــــ سنة 1999)، و(مدائن الحضور والغياب ــــ سنة 2009)، و(لا بد من حيفا ـــ سنة 2022).
***
كتب النقاد والباحثون العديد من الدراسات والكتب التي تقرأ أعماله الشعرية، ومن هذه الكتب كتاب (مدارات الشعر المقاوم في شعر عبد الناصر صالح) الصادر عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، رام الله 2022، وقد أهدانا الصديق الشاعر عبد الناصر صالح نسخة من هذا الكتاب والذي يضم ثماني دراسات نقدية في أعماله الشعرية.
جاءت الدراسة الأولى للكاتب الدكتور إبراهيم نمر موسى بعنوان "عبد الناصر صالح .. نورس الشعر: حياته وشعره"، تناول فيها مسيرته الحياتية والشعرية، ويقدم بانوراما حول أعماله الشعرية، وتأثير تجربة الاعتقال على تشكيل القصيدة لديه، ورؤيته لقصيدة الشاعر، يقول: عبد الناصر محمد علي الصالح التايه شاعر مجيد، وحسن المطالع والمقاطع، وتتسم لغته بالدقة والايحاء والألفة، وبالرقة والشدة في مواضعهما من البلاغة والفصاحة، والاتباع والابتداع، والوضوح والغموض. أما أسلوبه فيغلب عليه الطبع والقوة ووحدة النسيج، وأما معانيه فسمتها الصدق والواقعية المعبرة عن عالمه النفسي والإنساني، فضلاً عن حضوره البارز في المشهد الشعري الفلسطيني المعاصر.
وقام الباحث د. موسى بقراءة دواوين الشاعر السبعة قراءة منهجية متأنية من الداخل، تنفذ إلى الكشف عن الايماءات النفسية والفكرية، وتستجلي العلاقات الفنية والموضوعية التي ترددت في جنباتها لتضيء جوانبها، وتستكشف طبقاتها اللغوية والدلالية. وقد قرأها في خمسة محاور هي: الوطن/ الأرض، واللجوء/ المنفى، والانتفاضة، والشهيد، والسجن.
ويؤكد أن التجربة الشعرية عند الشاعر عبد الناصر صالح تتجلى في الحلم الابداعي بوصفه تصوراً للعالم، والارتفاع بالقصيدة من تشخيصها الذاتي إلى إنسانيتها الأشمل.
وتناولت الدراسة الثانية "الدلالة والمضمون في مطولة عبد الناصر صالح: نشيد البحر" للباحث الدكتور خليل عودة. يقدم من خلالها دراسة نقدية لديوان الشاعر نشيد البحر الصادر عام 1991، حيث درسه في عدة محاور: نشيد البحر بين الذات والواقع، وثنائية العلاقة بين الفلسطيني والبحر، والظاهرة التموزية، والمستوى الأسلوبي في النص.
يشير الباحث إلى أن نص نشيد البحر "يشكل مدخلاً أساسياً لدراسة عالم الشاعر الداخلي، وعلاقته بالواقع من حوله، ففيه تتداخل رؤى الشاعر والمؤثرات التي تدفع به إلى اختيار النص الشعري وسيلة للتعبير عن هذه الرؤى التي تتقاطع فيها خطوط الماضي مع الحاضر، وتمتد إلى استقراء المستقبل". أما عن مستوى القصيدة لدى الشاعر يقول: "اعتمد الشاعر في قصيدته ألفاظاً تتصل بالموضوع الذي تحدث عنه، وقد استطاع أن يوظف هذه الكلمات بشكل أكثر إيحاء، فهو عندما يتحدث عن البحر لا يقدمه بمعزل عن عناصر الطبيعة الأخرى، فمع البحر تأتي السماء والأرض، وقد عكست ألفاظ القصيدة هذه العناصر بشكل يوحي بعلاقته معها وموقفه منها، وقد تفاعلت اللغة مع احساس الشاعر الإيجابي بهذه العناصر".
وقد أكدت الدراسة على قدرة الشاعر على امتلاك أدواته الفنية وتوظيفها بما يخدم رؤيته وتوجهاته الواقعية، حيث أن القصيدة امتلكت العديد من الألفاظ التي ربطت بين الفلسطيني والبحر، من النكبة إلى الخروج من بيروت. ويخلص الباحث في دراسته إلى القول: "إن هذه المطولة تعد نموذجاً شعرياً متميزاً، يفتح الباب واسعاً أمام مطولات شعرية ذات نفس طويل، وقد عكس الشاعر من خلالها قدرة جعلته متمكناً من أدواته الفنية، وأتاحت له الامتداد زمنياً عبر تجارب عدة في حياة الفلسطيني من خلال رمز جغرافي تواصل معه الشاعر إيجابياً، ووظفه ليكشف عن المتناقضات في حياته، وقدرته على التحدي والصمود من ناحية، والبعث والتجدد من ناحية أخرى".
وفي الدراسة الثالثة يكتب الدكتور خليل عودة مرة أخرى عن "ظواهر أسلوبية في ديوان المجد ينحني لكم للشاعر عبد الناصر صالح". هذا الديوان الذي كتب في سجن النقب عام 1987 إبان اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى، والتي على إثرها اعتقل الشاعر، وصدر عام 1989.
لقد كانت تجربة الشاعر في هذا الديوان من بواكير الكتابة عن التجربة الاعتقالية زمن الانتفاضة، ورغم هيمنة الذات على التجربة إلا أنها تناولت رؤى أخرى مرتبطة بالشعب الفلسطيني، فنجد قصائد تتحدث عن الشهيد، وتجربة الاعتقال برؤية جماعية، وواقع الانتفاضة وتصوير فعالياتها. ففي هذا الديوان كما يرى الباحث "تحولت معاناة الشاعر من مجرد أحاسيس ذاتية بدأت مراحلها الأولى مع عملية الاعتقال التي واجه فيها الركل بالبساطير، وشمس النقب، وبرد الصحراء، وعواصف الرمل, ووجبات الاذلال، إلى احساس عام بالمأساة الكبرى التي تحيط به، وتكتمل دائرة الارهاب المتواصل من حوله".
لقد كان أسلوب الشاعر وألفاظه معبرة عن عمق احساسه بالواقع المحيط به سواء في المعتقل، أو أجواء الانتفاضة وفعالياتها وممارسات الاحتلال ضد نشطائها، مما يكشف عن طاقات فنية تؤكد قدرته على تنويع الأسلوب والتفاعل مع الأحداث. لذا نجد الباحث يناقش الظواهر الأسلوبية التي تضمنها الديوان كالألفاظ ومدلولاتها، واستخدام الأفعال الماضي والمضارع والأمر ويتنوع في استخدامها وفق التجربة الماثلة، واستخدام أسلوب الاستفهام وهذا الاستخدام هو تعبير طبيعي عن واقع الحياة، حيث تشتد حيرة الشاعر ويزداد قلقه، وتكثر علامات الاستفهام في حياته حول المصير والمستقبل، وكذلك يستخدم أسلوب النداء الذي يتنوع بأشكال مختلفة في الديوان حسب قيمة المخاطب ودلالته، وكانت الحركة وتمثيل الموقف من أساليب الشاعر للتعبير عن بعض موضوعاته.
وفي الدراسة الرابعة يكتب أيضاً الباحث الدكتور خليل قطناني عن "ملامح المقاومة الشعبية في ديوان المجد ينحني لكم للشاعر عبد الناصر صالح". يشير الباحث في دراسته إلى أنها تشتبك مع الواقع في تفكيك اشكالية مدى فعالية استخدام معطى المقاومة السلمية ضد عدو احلالي مركب لا يتورع عن استخدام القوة الخشنة والمفرطة في قمع الفعاليات السلمية، غير آبه بالقرارات الدولية ومبادئ حقوق الإنسان.
لهذا يتخذ الباحث من الديوان خلفية لمناقشة عدد من القضايا بعد أن يقدم اطلالة نقدية للديوان، فيتناول المقاومة الشعبية من حيث المفهوم والملامح والاشكاليات، والمقتربات الموضوعية في نصوص المدونة الشعرية، ومفردات المقاومة الشعبية في الديوان كدراسة إحصائية فنية.
ويخلص الباحث في دراسته إلى أن الديوان عبر عن المقاومة الشعبية بكل مدركاتها الواقعية والثقافية يقول: "إن حالة المقاومة الفلسطينية في مواجهة الآخر الضد لم تتوقف سواء ميدانياً أو ثقافياً، ما يدل على حيوية الشعب ووعيه وإرادته، رغم قلة الامكانيات وتخلي القريب والبعيد، وعدمية القرارات الدولية، فقد قرر الشعب أخذ زمام المبادرة بيده". وكان الشعر أحد الأسلحة التي استخدمها في مواجهة الآخر للتعبئة الميدانية، كما يرى الباحث إذ يقول: "والأدب بعامة، والشعر منه بخاصة قدم واجبه الوطني في التعبئة الميدانية، والتفاؤل والتبشير بالنصر، وفي تأصيل الهوية وتأكيد وجوديتها، وحمل لواء المقاومة الثقافية في الدفاع عن الوجدان الفلسطيني والوعي الشعبي".
وفي الدراسة الخامسة يجمل الباحث صالح لبريني قراءته في "الشعريات النصية والتشكيلات التعبيرية – قراءة في تجربة الشاعر عبد الناصر صالح". حيث يؤكد الباحث أنه أمام "تجربة شعرية ذات صوت شعري له حضوره الشعري، وإضافاته الإبداعية في خلق نصية زاخرة بالخلق والجدة، مبدعة رؤاها الشعرية الممتدة في عوالم باذخة، منطلقها الأساس الهم الجمعي، إلا أن هذا لا ينفي حضور الذات بقدر ما يجعلها محور العملية الإبداعية التي تحفز على اكتشاف كل ما هو معلوم/ واقع، وكل ما هو مجهول/ الأفق الممتد في اللامحدود، ومتبس في الذات والعالم".
وانطلاقاً من هذه الرؤية يناقش الباحث تجربة الشاعر في عدة محاور، حيث نقرأ موقف الذات من العالم، والتجلي النصي لبنية الانكسار، وجماليات شعرية المكان، وشعرية السرد، والمضمرات النصية. ويخلص الباحث إلى القول أن تجربة الشاعر "تظل مفتوحة على قراءات وتآويل متنوعة ومختلفة، نظراً لما تكتسبه من ثراء شعري باذخ وطافح برؤى وتصورات نغوص في عمق الجرح الإنساني، وتجسد المرجعيات المعرفية والثقافية التي يزخر بها المتن الشعري، الذي يكشف مدى تعدد الروافد الشعرية التي يستقي الشاعر رؤاه الشعرية التي تتجاوز تخوم الذات لمعانقة والتعبير شعرياً عن الهم الجمعي".
وفي الدراسة السادسة تجسد الباحثة فاطمة جودة رؤيتها بأن "عبد الناصر صالح شاعر الانتفاضة الفلسطينية". وذلك انطلاقاً من تجربة الشاعر وتفاعله شعرياً مع الانتفاضة ودخوله المعتقل والصدح بالقصائد التي حملت مفردات الانتفاضة وأحداثها مثل: الرصاص، المدوي، الحجر، الطائرات، المتراس، الغاز المسيل للدموع، حظر التجول، حرب الابادة، شظايا، مدهونة، حوائط، الشعارات.
وقد ناقشت الباحثة محور المفردات الخاصة بالانتفاضة كما جاءت في ديوان الشاعر. حيث أشارت بأن ديوان "المجد ينحني لكم" والذي كتبه في المعتقل يحتوي على 121 مفردة مرتبطة بالانتفاضة، وكلمة الحجر تكررت 34 مرة من بين الألفاظ، ومنها 22 مرة في قصيدة "البدء كان الحجر". وفي محور النظرة التفاؤلية المستقبلية تتبعت معجمه الشعري لتبرز انتشار مفردات التفاؤل والأمل بشكل واسع، فقد بلغ عدد هذه المفردات 358 مفردة، وهذا يدل على الروح المعنوية العالية التي كان يتمتع بها الشاعر، فكان يرى في كل أشكال المعاناة التي يعانيها أبناء الشعب الفلسطيني صورة من صور التفاؤل وطريقاً للحرية والخلاص من ظلم الاحتلال.
وفي محور المقاومة تؤكد الباحثة أن الشاعر عبد الناصر صالح كان أحد الشعراء الذين قاوموا العدو بأشعارهم، فكان محرضاً للجماهير، ملهباً للحماسات، يستخدم شعره سلاحاً للثورة، ويمجد أسلحة المقاومة وكل أشكال المقاومة، وكان يرى المستقبل بعين المقاومة، وضم معجمه الشعري في هذا المحور 259 مفردة، وكانت مفرداته كالتالي: الحجر، الملثم، الدم، البرق، بركان، الرعد، المقلاع، المتراس، المخيمات، وغيرها. وهذا يدل على تركيز الشاعر الكبير واهتمامه بالمقاومة، ويراها هي السبيل لتحرير الإنسان الفلسطيني، والقضاء على الاحتلال.
وقد تعددت المحاور التي ناقشتها الباحثة في ديوان الشاعر، فنجد محور الشهادة والموت، ومحمور السجن. وتختم دراستها بتناول الدلالات الرمزية في الديوان من حيث فضاء النصر، وفضاء الطفل، وفضاء المقاومة، وفضاء الآخر (العدو).
وتأتي الدراسة السابعة للباحث محمد جلال عيسى لتناقش "جماليات السرد في ديوان الفارس الذي قتل قبل المبارزة للشاعر عبد الناصر صالح". يناقش الباحث في دراسته التقنيات السردية وجمالياتها كما جاءت في ديوان الشاعر، حيث استخدم الشاعر السرد الأفقي، والدائري، والمتعدد في قصائده، وكذلك استخدامه للضمائر، وتنوعها في قصائده، وأكد الباحث أن ضمير الأنا المتكلم كان أكثر الضمائر استخداماً لدى الشاعر، كما أبرز الباحث تمكن الشاعر من استخدام الحوار الداخلي وتحويله من الفن القصصي إلى الفن الشعري، وقد أوضح الباحث قدرة الشاعر على التعامل مع شخصياته القصصية التي تخيلها في سجنه ووظفها في قصيدة شعرية، كشخصية الطفل، والمرأة، والثائر، والآخر (العدو)، وكشف الباحث عن اهتمام الشاعر بعنصري الزمان والمكان، حيث اعتمد على الترتيب النفسي للأحداث حسب خلجات صدره، وكان المكان السجن أكثر الأماكن دلالة في القصيدة لديه، فهو يصف المكان الذي عاش فيه الالم والمعاناة، ومع ذلك كان مكانا للصمود والتحدي.
قسم الباحث دراسته إلى عدة مباحث، فنجد مبحث يتناول أشكال السرد وكيف وظفها الشاعر في قصائده. ومبحث ثاني يتناول ضمائر السرد (الأنا، والغائب، والمخاطب) وقد استطاع الشاعر بتنوع الاستخدام بين الضمائر أن ينوع في مجرى أحداث قصائده الشعرية التي أخذت طابع القص والرواية كما يرى الباحث. وفي مبحث ثالث يشير إلى دلالات الحوار الداخلي ومدى تأثيره على الشاعر وقدرته على استنطاق ذاته واستخراج مكوناتها، وما يختلج في ملامح وجهه أو ما يدور بخلده. وفي المبحث الرابع يغوص في شخصية القصيدة عند الشاعر التي استخدمها لكي يبث من خلالها أفكاره ورؤاه، حيث يرى الباحث أن الشخصية عند الشاعر تلعب دوراً هاماً في إيصال الفكرة، لذا أجاد توظيف الشخصيات حسب بنائها في القصيدة، ويؤكد أن الشخصية لديه هي الشخصية التي تبحث عن نفسها وكيانها، وهي رمز للفلسطيني الأسير والضائع في بلاد التيه واللجوء. وفي المبحث الخامس يتناول المكان والزمان، حيث يشير الباحث أن هذين العنصرين جاءا في قصائد الديوان ليكونا بوصلة تشير إلى ترتيب الأحداث ودمجها، فتبرز تصوراً حقيقياً للأحداث التي يسردها في خطابه الشعري.
ويخلص الباحث في رؤيته لجماليات السرد أن الشاعر عبد الناصر صالح وظف في قصائده تقنيات الفن النثري بكثرة، حيث أنه استطاع أن يرسم من خلال لغته الشعرية قصيدة احتوت على ملامح الأعمال النثرية دون أن تفقد طابعها الشعري.
وفي الدراسة الثامنة تناقش الباحثة الدكتورة سناء زقوت "التناص في ديوان مدائن الحضور والغياب للشاعر عبد الناصر صالح". حيث تشير الباحثة إلى أن التناص بأشكاله المختلفة يحقق غاية جمالية تعبيرية، وذلك من خلال الانتاج الجديد الذي يقوم على تبادلية بنائية ومعنوية، تعتمد على تفكيك بعض العناصر وتجميع بعضها الآخر وفقاً لعمليات واعية وغير واعية.
وانطلاقاً من هذه الرؤية درست الباحثة دلالات التناص في الديوان، حيث رأت أن التناص يتشكل في الديوان وفقاً لعدة تقسيمات، فثمة التناص الخارجي الذي استحضر به الشاعر العديد من المظاهر التراثية والتعالقات الدلالية والفكرية. والتناص الداخلي الذي استند به الشاعر على نصوص لأدباء عصره، فيتشرب روحها ويتماهى معها، كنصوص فدوى طوقان، وسيرة وروايات عزة الغزاوي. أما التناص الذاتي فهو التناص الذي يتحقق حين تتداخل معاني الشاعر وأساليبه في أكثر من قصيدة، وذلك وفقاً للحالة النفسية التي يعيشها الشاعر، وما يسيطر عليه من أفكار ومشاعر، وترى الباحثة هنا أن الشاعر يتمترس خلف مبادئ وطنية وفكرية لا يحيد عنها ولا يقايض فيها، وبذلك يتماهي مع ذاته وما يعبر بها من أفكار وتعبيرات في أكثر من قصيدة في الديوان.
وتطرح الباحثة التناص في ديوان الشاعر من رؤى متعددة حيث تتناول معمارية التناص وهو الشكل الذي يختاره الشاعر لاستثمار التناص مهما كان مصدره، وتضمينه في السياق الشعري، والاستفادة من مخزونه الثقافي والدلالي. وكذلك التناص مع البناء القصصي وهو تفاعل الشاعر مع واقعه، وبما يدور حوله من أحداث، ويعبر عن رؤيته من خلال الأسلوب الدرامي الذي يبرز من خلاله تجربته التي انصهرت بمكونات وعناصر الدراما القصصية.
وتخلص الباحثة في دراستها أن استخدام التناص لدى الشاعر بأنواعه المتعددة يعكس ثقافة الشاعر الغنية الواسعة، وقدرته على تشرب الثقافات المختلفة، وقراءاته العميقة للآداب والمعارف الإنسانية والتاريخية والدينية والأدبية.
لقد أكدت هذه الدراسات على الصوت الشعري المتميز لدى الشاعر عبد الناصر صالح، من خلال تعدد استخدامات اللغة وتنوع الألفاظ، وجماليات الأسلوب، والتزاوج بين الذات والكل في قصيدته، وقدرته على انفتاح الرؤية على فضاءات عديدة، وبث أفكاره وتجاربه بما يخدم قضيته الأولى فلسطين.
Peut être une image de 1 personne et texte

(يتيم الهوى) بقلم الشاعر أبورأفت إبراهيم الشعراني

 ........(يتيم الهوى).........

مالي على الدرب وحدي
وحيدآ أحترق بنار وجدي
أفتش في الزوايا لعلي
أن أجد يدآ تمسك يدي
أصيح هنا و أصرخ هنا
من يرافقني وله وعدي
من يسكن قلبي وينسيني
وجع السنين ويجتث بردي
من يشاطرني الشعور الذي
يجتاح كل روحي وكبدي
من يرادف أبياتي وشعري
و يصحح أخطائي بعدي
من يكتب أفكاري ويجعلني
أصوغ بوصفه أجمل ماعندي
من يلملم أشلائي ويجمعني
و يفهم ب الأشارة قصدي
من يبادلني الوداد ياهوى
وأهديه كل محبتي وودي
مالي بين الخلائق أشكوى
غربه الوجود كأني بلحدي
ترن هواتف الناس من حولي
وهاتفي يتيم الهوى في يدي
فلا محب ولاحبيب يذكرني
ولاصديق ولاقريب لي يهدي
كأني من كوكب غير كوكبنا
أو كأني مصاب بمرض معدي
يفر من محادثتي من عرفته
ويخاف قربي من يعلم بعدي
مالي يتيم الهوى يامعشري
افيدوني أهدوني سبيل نجدي
أيكون لي منظري قبيح
أم لأني فقير الحظ والسعدي
أظنني أتكلم بلغة أخرى
ومفرداتي من سابقات العهدي
ماذا يعيب شمائلي وصفاتي
مالموجودعندهم وليس عندي
ماذا يميزهم حتى لا يروني
اوينقصني ياتأريخي ومجدي
أظنني لست جريئا وقحآ
أويعيبني الحياء حين أبدي
أظن عيبي بالهوى صدقي
بزمانٓا صار الصدق لا يجدي
تمتعوا أيها المحبين بحبكم
وأتركوني على الدرب وحدي
سيبعث الله من يداوييني
ويزيل يأسي و يفك عقدي
من يراني قمرآ ينير ظلامه
وأراه فجرآ يشرق في الغدي
أبورأفت إبراهيم الشعراني
Peut être une représentation artistique de 1 personne

(عندما عاد الليل) بقلم الكاتبة فاطمة سعدالله الجبوري

 (عندما عاد الليل)

ملتفة بغطائي ، جالسة أمام مكتبي ، شاردة بهراءي ، طُرق باب ذاكرتي أعادني من شرودي
_لماذا لم تنامي ؟
نظرت لنفسي و أنا أود البكاء ولم أجيب ، أعدت بنظري لكتابي ، وقفت بجانبي أعدت السؤال لي و أعدت الصمت و شردت...
لِمَ يسهر الإنسان و يعلم انه لا يؤذي سوى نفسه ، لِمَ الإنسان شغوف في وجع ذاته و يتفنن بكسر روحه !!! لا يوجد جواب.
_أتعلمين متى خُلق السهر ؟
_ممم كل شخص خَلق سهره بنفسه
_كيف ؟
_يستطيع الإنسان أن يسهر بإرادته أو ينام
نعم انه الجواب ، يستطيع الأنسان أن يسهر على وجعه و يزيد منه بإرادته و يستطيع أن ينام عنه و يصبر...
_ما بكِ ؟
أود النوم ، و لو قليلاً أتعبني الآرق أود الهرب مني لنومي لارتاح ، لقد حاولت حاولت كثيراً و لكن عندما عاد الليل عادت مخاوفي ، ودت أن أجيب هكذا لكنني اكتفيت بالقول لي
_لا شيء سأنام الان...
____________________________________________________
تمت 11_1_2023 , 3:26am
بقلمي | فاطمة سعدالله الجبوري
العراق_الموصل