عندما تكون الكتابة بلسما للروح..وتمرّدا على الألم
تصدير:
مازال الفكر حاضرا،وكذا الضمير،ونحن على إستعداد للشهادة من أجل ما نعتقد أنه الحق،ورغم أنهم حرموا علينا،حتى حق الإستشهاد،واحتكروا لأنفسهم"بطولة الرأي الواحد" التي سنظل نرفضها ولو لم نجد غير أظفارنا وجدران المقابر للكتابة والنشر..( الكاتب)
لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا قلت أن الكتابة ليست سوى ذلك النهر السري الذي ينبع من أعماق الذات،لا يجري ليغسل الجراح،بل ليمنحها شكلا ومذاقا ومعنى.فهي ليست حبرا جامدا على ورق أبيض،بل مرآة ترتعش عليها ظلال الروح حين تخنقها وحدة الألم أو زحمة الأسئلة.وحين تكتب،فأنت تتفقد أعماقك كمن يفتح نوافذ منزله على عاصفة،لا ليرى الدمار،بل ليعرف أين يقف.
والكتابة لا تعدك بالشفاء،لكنها تمنح جرحك هوية خاصة.تجعله قصة لا مجرد وجع،امتحانا لا مجرد سقوط.قد لا تخرج منه حيا كما كنت،لكنك تخرج خالدا في ذاكرة الألم نفسه.وكم من كتّاب عاشوا حياتهم كأنها غيمة سوداء،فاستلوا منها أقواس قزح نصية خالدة..!
هم لم يكتبوا رغم الألم،بل كتبوا من الألم،فصقل موهبتهم كما يصقل الإعصار حجرا عاديا ليصبح ماسا.
وفي دهشة وأسى،أتأمل أولئك الذين وصل بهم العشق الكتابي إلى حافة الانتحار،في تناقض عجيب لا يشبه أي شيء إلا ربما مغامرا يتسلق جرفا دون حبل،أو غواصا يصافح سمكة قرش..! إنها "معاناة مستساغة"،كما لو أن الجحيم نفسه يتحول،تحت أنامل الكاتب،إلى جنّة صغيرة.
يقول حمّور زيادة: "الكتابة هي أجمل ما يتمناه الإنسان لنفسه،وهي أسوأ ما يعاني منه الإنسان".
والكتابة،في جوهرها،عصارة روحية شاملة للكاتب: فكره،قلبه،مزاجه،وتاريخه.إنها الإنسان نفسه يتنفس خارج جلده.وبدونها،لكان التاريخ مجرد طيف باهت،ولما كان هناك "مبدأ إنسانية" بحسب هرمان هيسه.
أما حين تتصادم الكتابة الأكاديمية مع الإبداعية، فتشبه الفارق بين المشي على حبل مشدود والرقص على سحابة.الأولى تخضع لبروتوكولات باردة،وتقاس بالدقة والصواب،والأخرى تنفلت من كل قيد،لترسم عوالمها بماء الذهب والغبار المقدس.لكن التلاقح بينهما يظل ممكنا وخصبا، لأن الكتابة في النهاية ليست مهنة ولا أداة،بل هي بلسم الروح حين تتشظى،وحين لا يبقى سوى الورق ليحتضن كل ما يفيض ولا تحتمله الذاكرة.
وهكذا،نكتب لنعلن للوجود: نحن هنا،مجروحين لكننا نختمر كالنبيذ،عالقين بين جدران الحياة لكن أرواحنا تحلق في فضاء الحبر الأبيض.
وهنا أختم : الكتابة ليست هروبا،بل إقامة في عمق الجرح،وتحويله إلى ملكوت.لأن الإنسان، حين يفقد كل شيء،يظل قادرا على ألَّا يفقد كلمته الأخيرة.فلتكن كتابتك حياة ثانية لا تخشى الموت.
وتبقى الكتابة سرّ الضوء في بئر الروح،ونبضا لا يخفت مهما تعاقبت الظلمات.إنها أن تزرع في قلب الوجع نخلا،وتقطر من دمك حبرا يروي عطش الأبدية.فاكتب،ولو لم يقرأك أحد،فالورق لا يخون،والكلمة الطيبة جسر لا ينهار..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق