قصة قصيرة
____قُدّاس الناجية____
من رحم لعنة الخراب، تُمسك "نهى" الحياةَ من عنقها؛ بقبضةٍ هي المبتدأ وهي المنتهى، لئلا تسقط الهاويةُ في الهاوية.
على مصلب الصّمود، مارست طقس الانسلاخ الكبير، لم تخلع ثياباً كانت تسلخ الأنوثة عن جلدها كروحٍ تفلت من حصار التعذيب. ألقت بضفائرها للريح، تاركةً خلفها صبيةً ترتجف على عتبة عمرٍ لم يعد يعرف كيف يحصي الخسارات. استوطنها "التشظي"، فصارت كائناً يسكنه شَبَحان:
_أُمٌّ: تقطر من ثدييها مرارة الصبر لتسقي الوقت،
_وأبٌ يجلد القلب بسياط القسوة لئلا يسقط في فخّ اللين..
بينهما وقفت كصلاةٍ مهشمة، بخورُها الوجع ولا سماءَ تستقبل صدى استغاثتها. داخلها "مقبرةٌ متمردة"؛ صمتُها يُزهر ملامحَ تُدفن تباعاً.
وجهها؟ ليس وجهاً صار قناعاً من تعبٍ متقشف، نُحت بدقة لامرأةٍ حُكم عليها بالنجاة.
لم يكن الغدر طعنة، كان "نحّاتاً" سيئاً مَضغ أيامها، وأعاد صياغة عظامها على هيئة صلابةٍ مرّة، وزرع في قفصها الصدري آلةً تتقن الخفقان دون أن تتورط في الشعور.
كل ليلة، تسقط الأقنعة الثقيلة تحمل على عاتقها أباً منكسراً وأماً تبحث عن ركيزة. ومن عتمة الروح، تطلُّ طفلةٌ مذعورة، تُحدق في الفراغ وتسأل بنحيبٍ مكتوم:
"من نهبَ ضفيرتي؟"
يئنُّ الرقاقُ الموؤود في صدرها، لكنها ببراعة "حفّار القبور"، تكتم أنينه وتدفنه قبل أن يدركها الضوء فتُفضح الهزيمة. هي الآن "أيقونة الوجع" المعلقة في متحف النسيان؛ الأثر الذي يقرؤه الجميع.. ولا يلمسه أحد.
الموتُ اصبح الصّمتُ الأخير فقد توقّف النّحاتُ عن العبث قرّر أخيرا ان يبتلع الضّجيج المكتوم في صدرِ "نُهى"حين سقطت سقوط المهزومين كسقف اتعبهُ حِمل السّماء طويلا ...
في تلك اللّحظة ، انحلّت العُقدة المستعصيّة بين الأب الجلاّد والأمّ الصابرة ، وتوقّفت الآلة التي اتقنت الخفقان عن الدوران ...لم يتبقّ في المدى إلا الطفلة التي استعادت ضفيرتها المنهوبةَ لتدفنها في تجاعيد وجهٍ استحال رخاما باردا.
غادرت "نُهى " كقصيدة اكتملت بنقطة قهر واحدةٍ،
لتعلن أن الناجيّة الوحيدة من لعنةِ الخراب ...هي الموت .
بقلمي: سوسن العوني
حين أتذكّر _ نُهى_ 😔

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق