الخميس، 9 أبريل 2026

وجه المدينة بقلم الكاتب رشدي الخميري/ جندوبة / تونس

 وجه المدينة

كانت الضّحكة تنبعث بلا حساب، تلقائيّة كما لو أنّها تعرف طريقها إلى القلوب دون استئذان، وكان الوقوف على الرّصيف عابرا بمعناه، عميقا بأثره، كأنّ الوقت نفسه كان يمرّ بالنّاس دون أن يحسبهم، يترك لهم فسحة كافية ليلتقوا، ليتبادلوا كلمات قصيرة، نعم، لكنّها ممتلئة بما يكفي لتقيم في القلب طويلا، وربّما لتؤسّس، في غفلة منهم، علاقات لم يخطّطوا لها ولكنّها تثبت، وتتشعّب، وتتشابه في دفئها وإن اختلفت في تفاصيلها.

كان الشّارع يعجّ بالمارّة، لا بوصفهم عابرين، بل كأنّهم امتداد لبعضهم البعض، فلا تكاد تنهي تحيّة هذا حتّى تمتدّ يد أخرى إليك، تمسكك بشيء من الألفة غير المفتعلة، وتسألك عنك كما لو أنّ غيابك طال، لا لأنّه طال فعلا، بل لأنّ حضورك كان يحسب دائما. وكانت الوجوه مألوفة، حتّى تلك التي لم نعرف أسماءها قط، كأنّ بينها وبيننا اتّفاقا مسبقا على التّشابه، على شيء صغير يجعلها قريبة، يجعل الاختلاف نفسه قابلا لأن يحتمل، بل لأن يكون فرصة للقاء، لا سببا للابتعاد والتّنافر.

وكانت الخطى، وإن بدت بطيئة، تصل؛ لا إلى الأماكن فقط، بل إلى النّاس، إلى المعنى الكامن خلف العبور ، وكانت الأيدي لا تمرّ قرب بعضها إلاّ لتلتقي، لا لتتردّد، ولا لتنسحب، وكانت الكلمات، على قلّتها، تجد موضعها بسهولة، تستقرّ، وتترك أثرا لا يحتاج إلى ضجيج ليثبت وجوده.

أمّا الآن…

فالخطى أسرع، نعم، لكنّها منهكة، تركض دون أن تشير إلى وجهة، كأنّ الطّرق نفسها لم تعد تعرف أين تنتهي. والأيدي تمرّ قرب بعضها كثيرا، دون أن تلتقي، كأنّ بينها مسافة لا ترى، ولكنّها كافية لتمنع اللّمس، وقد لا تتلامس إلاّ حين يضيق الصّبر، لا حين يتّسع الودّ.

والكلمات تقال بكثرة، تتزاحم، ترتفع، تحدث ضجيجا يشبه الامتلاء، لكنّها سرعان ما تتساقط، واحدة تلو الأخرى، ويختفي ضجيجها كأنّها لم تجد قلبا يحتملها، ولا ذاكرة تحتفظ بها، ولا معنى يبرّر بقاءها. صار الرّصيف أطول ممّا كان، لا لأنّه امتدّ فعلا، بل لأنّ الوقوف عليه لم يعد احتمالا مألوفا، بل غربة قاسية تتكرّر كلّ يوم.

وصار الشّارع أوسع، لكنّه أكثر فراغا، ليس من الناس، بل ممّا كان بينهم، من تلك الخيوط الخفيّة والمتينة التي كانت تشدّهم إلى بعضهم، دون حاجة إلى تفسير. حتّى الوجوه، لم تعد تحفظك، ولا تخطئك بذاك الشّبه القديم الذي كان يكفي ليجعلك واحدا منها، تمرّ بينها كما لو أنّك لا تترك أثرا، وكأنّ حضورك لم يعد يضيف شيئا إلى المكان أو أنّك طيفا لا يرى ولا يسمع له صوت.

تمشي… فلا شيء يشدّك، ولا شيء يؤخّرك، لا يد تمسك بك، ولا صوت يناديك، ولا نظرة تتوقّف عندك أكثر ممّا ينبغي، كأنّ المدينة تعلّمت، مع الوقت، كيف تراك… دون أن تراك حقّا، وكيف تمتلئ بك… دون أن تحتفظ بك.

رشدي الخميري/ جندوبة / تونس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق