الخميس، 9 أبريل 2026

سَفِينَةٌ تَشُقُّ الغِياب… بقلم الشاعر محمد علي الفرجاوي

 سَفِينَةٌ تَشُقُّ الغِياب…

في هذه الصورة، لا يبدو البحر مجرّد مساحةٍ من الماء،

بل زمنًا مفتوحًا، يتقلّب كما تتقلّب المصائر.

والسفينة… ليست خشبًا وأشرعة،

بل فكرةٌ تُقاوم الغرق.

في مقدّمتها، يرفرف علم تونس،

كأنّه ذاكرةٌ جماعية، تُذكّر الراكب بأنّه لا يرحل من فراغ،

بل يحمل وطنًا بأكمله في داخله،

بأحلامه… وخيباته.

ذلك الرجل، في قلب المشهد،

ليس مسافرًا عاديًا،

بل شاهدٌ على رحلةٍ أعمق من المكان.

عيناه لا تنظران إلى الأفق فقط،

بل إلى ما وراءه…

إلى احتمالاتٍ لا تُرى.

السفينة تمضي،

لكن إلى أين؟

هل هي هروبٌ من واقعٍ ضاق بأهله،

أم بحثٌ عن معنى لم يُولد بعد؟

البحر هنا لا يُطمئن،

بل يختبر.

كلّ موجةٍ سؤال،

وكلّ ريحٍ امتحان.

ومن لا يملك داخله بوصلة،

تبتلعه الجهات.

الرجل لا يمسك الدفّة،

لكنّه يمسك الفكرة.

فكرة أنّ النجاة ليست في الوصول،

بل في القدرة على الاستمرار،

رغم الشكّ… رغم التعب… رغم الغموض.

الأشرعة، الملطّخة بآثار الرحلة،

تشبه الذاكرة:

لا تبقى بيضاء،

لكنّها تظلّ تحمل الريح.

وفي هذا المشهد،

لا يعود الوطن مجرّد أرض،

بل يصبح سؤالًا:

كيف نحمله معنا دون أن نثقل به؟

وكيف نُعيد تشكيله،

لا كحدودٍ تُقيّدنا،

بل كأفقٍ يدفعنا إلى الأمام؟

هذه الرحلة،

ليست عبورًا فوق الماء،

بل عبورٌ داخل الإنسان نفسه.

من اليقين إلى السؤال،

ومن الخوف إلى الوعي،

ومن الفرد إلى الجماعة.

فالسفينة تمضي…

لكن الحقيقة الأعمق،

أنّ الذي يتحرّك فعلًا،

هو ذلك الإنسان في الداخل،

الذي تعلّم أخيرًا

أنّ البحر، مهما اتّسع،

لا يكون أخطر من الصمت.


محمد علي الفرجاوي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق