الخميس، 16 أبريل 2026

لن تكتب قدري بقلم الكاتبة سعاد محمودي

 لن تكتب قدري


داهمها صوته المعربد يتردّد صداه عبر أروقة المنزل، قبل أن يستقرّ بقاعة الجلوس. تطاير الشّرر من عينيه، و هو يحدجها بغيظ وقد تجمّع الزّبد حول شفتيه المتشدّقتين بكلّ صروف السّباب :

-" كيف تجرئين!"

عربدت قشعريرة في كامل جسدها المتستّر بفستان ليلكيّ خفيف.أسقطت المشبك من يدها فانسدل شعرها وغطّى نصف جسدها، وتحلّقت خصلتان -قد ضلّتا  الطّريقَ - حول وجهها المتورّد خجلًا . تلعثمت وهو يلوّح بشاشة الهاتف أمام عينيها:

-" أنا...أن..ا...أقصد أ..."

سحبها من شعرها وقرّبها من تلك الشّاشة قائلًا في حنق:

-" كيف سوّلت لك نفسك ... !"

كانت المحادثة تنظر إليها شامتة هازئة، وهي تحاول أن تسحب شعرها من بين فروج أصابعه، متألمة:

-" حلّ عنّي...نعم...نعم فعلت..."

باغتتها صفعة، فسرى ألم  كصعقة في أوصالها، قبل أن تنهي جملتها .


محادثة ! هي جملة يتيمة، اعتقدت أنّها جملة الخلاص الأخير .جملة من أربعة كلمات، كل كلمة كانت تنزف وجعًا. " ابتعدي عن زوجي... سأشكوكِ".


أرادت الوقوف مستندة على أريكة باكية، متعثّرة في سنابل شعرها المفتوح على ريح الغدر. إلا أنّه استكثر عليها القيام، دفعها دفعًا وأعاد فتح الشّاشة في وجهها ثائرًا:

-" اقرئيها....اق...ر ئيهااا"

هزّت رأسها في شموخ راسمة ابتسامة على وجهها المفجوع، رامية كلّ سبائك شعرها إلى الخلف وقالت:

-" لم تُكتب لأقرأها ..."

-:" قلت ...اقرئيها !"

ابتعدت قليلا محاولة التّماسك، رفعت شعرها وشدّته إلى الخلف متعثّرة في خيبة المواجهة، ثم قالت بنبرة منكسرة:

-" هو خطاب لها...لست معنيّة بقراءته ...فقط دعني أخبرك : المرأة تكسرها  الصّفعات وتجرحها الاهانات أمّا الخيانة فتقتلها..." 

صمتت قليلا وهي ترمقه بازدراء، ثم بصقت الكلام في وجهه:

-" ...خائن...بعت عشرة السّنين من أجل ساقطة..."

فأجاب باستخفاف وهو يلوي أعناق الحروف:

-" هههه... المرأة كالأرض...فأين الحصاد!  هههه...عاقر خبيثة .تتطاوسين! والله لو كنت الجازية الهلاليّة ما صبوت إليك..."


أطلق رصاص الكلام واختفى بين الجدران  ينقر على جهازه .لعلّه كان  يواسي الطّرف الآخر من هول جملة مبتورة، مشحونة...أما هي فقد أرداها الكلام شهيدة. 

تثاقلت جارّة أذيال الألم ،وقفت أمام المرآة فرأت وجها لا يشبهها: عينان زائغتان، غارقتان في طوفان عظيم. وشفتان ترتجفان كمرفأ قديم تكدّس عليه الصّمت والخذلان. 


كانت السّاعة الصّفر بتوقيت الوجع .وقد شاركها ذاك التلفاز النّائح مرآتها.كان انعكاسًا لصورة امرأة مصريّة منكسرة:  ربط مباشر مع "تيك توك"، امرأة خذلها الصّبر وتبرّأ منها الصّمود . كانت تكرر وهي تطوّح برأسها :" أنا مش مسمحة..." .عيناها الخضروان و وجهها الملائكي لم يدرآ عنها  صروف الحياة .


كانت تنوس بين مشاهدة محاولة انتحار بسنت سليمان، التي  سلّمت روحها قربانًا للوجع، ويبن وجهها الملتاع الشّاحب.

مسحت عينيها، شدّها ذلك الفيديو وهي تهمّ بقصّ شعرها بمقصّ صدئ.

انطلقت عمليّة الحصاد الجائر المنتقم .وانطلقت بسنت في تسوّر عوارض الشّرفة باصرار وانكسار... تساقطت خصلات الشّعر كالسّنابل، والبيدر يلتقم  ما فاض عن فكّي المقصّ المفترس.أفلتت بسنت يديها، وقد علت صرخة الفاجعة ...و سقط المقصّ مفترشًا سجّادا عتيقًا، معلنًا نهاية اسطورة الجازية...


رنّ الهاتف فجأة، كان صوتًا غريبًا: لم يكن صوت أفكارها  ولا هو  صوت زوجها .


-" ألوو...كيف الحال! هل نلتقي؟ أم أنّك لا تزال سابحًا في عالم السّرد!"

_:" تؤرّقني النّهاية يا صاح."

-:" ألم تضع لها نهاية بعد!"

:" ثلاثة احتمالات ...  على المسودّة... حتّى أنّني لم أختر لها اسمًا بعد...هههه "


شدّ انتباهها هذا الحوار القادم من بعيد .نظرت إلى خصلات الشّعر الملقاة على قارعة اليأس، و تسلّلت من بين الجمل إلى الطّاولة: أكداس من الورق الممزّق ، نتف ، قنّينة ويسكي، مطفأة سجائر، رزمة من كتبت تناثرت هنا وهناك ، فنجان قهوة باردة . بحثت عن المسودّة : جمل مكتوبة بخطّ رديء، قد شطبت اغلب كلماتها. أخذت التخطيط ، قرّبته من عينيها بيدين مرتعشتين : 

- انتحار المرأة ...

-افتعال شجار  يشجّ فيه رأسها.

-استكانة المرأة ورضوخها.

- اسمها : بسمة.

فغرت فاها دهشة و لوعة.أيّ مصير ينتظرها! استغلّت انشغال زوجها بحبيبته وانشغال هذا الكاتب المغرور بمكالمته و فتحت باب الرّواية على مصراعيه ...فسكتت كلّ الأصوات...غادرت لتبحث لها عن اسم يليق بها.


سعاد محمودي .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق