دموع..في مآق هرمة
“إذا أردتَ ألا تخشى الموت، فإنّ عليك ألاّ تكفّ عن التفكير فيه” (snénèque)
«أنا لا أحبّك يا موتُ،لكنّني لا أخافُكْ وأدرك أن سريركَ جسمي،ورُوحي لِحافُكْ وأدرك أنّي تضيق عليّ ضفافُكْ».(الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم)
الحزن الحقيقي لا يأتي كالسيل العارم،بل كضباب يتسلل بهدوء،ثم لا يغادر أبدا..
تسع سنوات مضت،يا ولدي،وأنا أحمل دمعتي كقارورة زئبق: تنفلت من يدي كلما هممت بإمساكها.لم أرثك،ليس لأني نسيت،بل لأن الحزن الكبير يُفقد الإنسان قدرته على التشكل.
الحزن الحقيقي-يا مهجة الروح-أخرس.إنه غرفة مظلمة نبحث فيها عن مفتاح لا وجود له.
الناس اليوم يبكون أمام الكاميرا،ينشرون دموعهم كبطاقات هوية للحزن.يودعون موتاهم بتغريدة، ثم ينتظرون التفاعلات كما ينتظر الطفل التصفيق.أما أنا،فلم أستطع حتى أن أمنح موتك جملة تامة.كنت أظن أن الحب يعلمنا الكلام،لكن الفقدان يعلمنا الصمت الذي لا ينتهي.
كثيرون قالوا لي: "تصالح مع الغياب".لكن كيف تصالح مع من كان نبضه أول صوت تعلمته أذناي؟ أنت لست ذكرى،يا بني.أنت ذلك الخطأ اللغوي في قواعد الكون: تحضر عندما أراك في النوم،وتغيب عندما أستيقظ فأجد الوسادة يابسة من دون أثر لدموع لم تنزل بعد.
الليلة الماضية،يا ولدي،رأيتك في المنام.كنت صبيا كعادتك،تجري نحو البحر حافيا.استيقظت ويدي ممدودة نحو الفراغ.نهضت إلى غرفتك التي لم أغير فيها شيئا منذ تسع سنوات.جلست على حافة سريرك،ولمست غطاءك القديم.ثم حدث شيء لم أتوقعه: بكيت.ليس بكاء الرجال الذي يختبئ خلف الأبواب المغلقة،بل بكاء الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم في الأسواق.بكيت حتى شعرت أن حلقي سينخلع.ثم توقفت فجأة،لأنني سمعت صوتا خياليا لك تقول: "لا تبكِ يا أبي،أنا هنا." نظرت حولي.لم يكن هناك أحد.ثم رأيت ذراعي: كانت تحضن وسادتك القديمة كما لو كانت جسدك الصغير.في تلك اللحظة عرفت أن الحب لا يموت، لكنه يتخذ شكلا آخر من الجنون.عرفت أنك لن تعود،لكن حزني سيظل يتعلم كل يوم كيف يفقدك من جديد.فالفقدان الأكبر،يا بني،ليس أن نرثيك، بل أن نظل عاجزين عن تصديق أنك لن تحتاج أبدا إلى هذه الدموع المتأخرة.
والآن،بعد تسع سنوات،أدركتُ الحقيقة الأكثر إيلاما من موتك: أن دموعي المتأخرة لا تخصك أنت،بل تخصني أنا.أنت لست هنا لتراها،ولست بحاجة إليها.أنت في مكان لا تصل إليه أحزان الأباء،حيث لا صوت يعلو فوق سلام لا يوصف.
لكنني يا ولدي،مازلت هنا.مازلت أتعلم المشي على حافة الغياب كل يوم.مازلت أفتح الباب كل مساء أتأخرت فيه،مازلت أعدّ كرسيا فارغا على مائدة العيد.مازلت أحتفظ بحذائك الصغير كما لو أن القدمين ستعودان إليه يوما.
البكاء الذي جاء متأخرا تسع سنوات لم يكن رثاءك،بل كان رثاء نفسي التي ظنت أنها تستطيع أن تعيش بدون أن تنهار.وها هي انهارت أخيرا، ليس كالجبال،بل كجدار رملي لطمه موج واحد.
الآن أفهم: الحزن الحقيقي ليس أن نبكي،بل أن نظل صامتين حتى ننسى كيف نبكي.وأن نبكي متأخرين جدا،فلا تجد دموعنا إلا وجوهاً نائمة لا تبتسم لنا ولا تغضب منا.
سامحني يا ولدي،لم أكن أعرف أن الفقدان يتعلم منا كيف يؤلمنا أكثر كل يوم.وأن أكثر اللحظات إيلاما ليست لحظة الرحيل،بل لحظة نستيقظ فيها ذات صباح لنكتشف أننا لم نعد نتذكر تماما شكل عينيك،فلا نجد في الدنيا من يخبرنا كيف كنا.
فالموت لا يقتل الأبناء،بل يقتل في الآباء القدرة على أن يكونوا آباء،تاركا إياهم يتيمين في حضرة الحياة.
لقد رحلت يا توأم الروح،رحلتَ ولم تغادر..وبكيتُ وما عدتُ أبيا.تسع سنوات وأنا أحرس دمعتي كأنها آخر ما تبقى من لقائنا.
الآن،وقد نزلت،أشعر أن الموت لم يأخذك..بل أخذ مني القدرة على البكاء مجددا.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق