وطني من وراء الزّجاج
جلس خلف النّافذة، كأنّها حدّ بين زمنين.. لا بين داخل وخارج. زجاج شفّاف، لكنّه محمّل بكلّ ما لا يرى. كانت الأمطار تهطل بغزارة، كأنّ السّماء تفرغ أرشيفها القديم دفعة واحدة… أوراقا ودفاتر من حزن لم يؤرّخ كما ينبغي. الطّريق أمامه لم يكن طريقا، بل سطرا طويلا من الحكايات أو السّجلات المبتورة. قطرات الماء تتكسّر فوقه، فتتشظّى كخرائط لم تكتمل، كأصوات تقاطعت قبل أن تقول ما يجب قوله. كلّ شيء بدا مألوفا… حدّ الغرابة.
أمال رأسه قليلا، وأصغى. لم يكن صوت المطر وحده… كان هناك شيء آخر، شيء يشبه الهمس حين يخفى عمدا. كأنّ الأرض نفسها تتحدّث، لكن بلغات مجزّأة، لا يفهم بعضها بعضا.
تذكّر…أيّاما كانت فيها الكلمات أوضح، والوجوه أقلّ حذرا. قبل أن تتكاثر الظّلال حول المعاني، وقبل أن يصبح السّؤال تهمة، والإجابة تأويلا.
في الشّارع، مرّت وجوه كثيرة، كلّها تحمل ملامح متقاربة… تعب ، وخوف ، وصمت يبدو كأنّه خيار، أو هو في الحقيقة عادة أجبر عليها النّاس.
ضحك في سرّه… كيف يتشابه التّعب حين يطول، حتّى يفقد أصحابه القدرة على الشّكوى؟
حدّق أكثر… فرأى ما ليس في المكان.
رأى مدنا تطفئ أنوارها مبكّرا إذ لا سبيل للإنارة بدون إذن، لا لتنام، بل لتختبئ. رأى نوافذ أخرى، تشبه نافذته، يجلس خلفها أناس مثله، يراقبون طرقا مختلفة وربّما نفس الطّريق الّتي يرقبها، لكنّهم يفهمون المطر ذاته. رأى أرضا تثقلها أقدام غريبة، وأخرى ترهقها أقدام أبنائها حين تتعثّر ببعضها. رأى كلمات كبيرة ترفع عاليا، لكنّها في العمق تخفي فراغا يتّسع. أدرك، دون أن يسمّي، أنّ هناك خيوطا غير مرئيّة تشدّ هذا المشهد. أنٌ الألم، مهما بدا عفويًا، ليس بريئا تماما. وأنّ بعض الأيادي لا تظهر في الصّورة… لكنّها تعرف جيّدا كيف تحرّك الإطار.
مسح الزّجاج ببطء، كأنّه يريد أن ينقّي الرّؤية. لكنّ الضّباب لم يكن هناك فقط… كان في اللّغة، في الحكايات النّاقصة، في الطّرق التي تعلّمت أن تدور حول نفسها دون أن تصل.
تنفّس بعمق، ثمّ نظر إلى يده… كانت ساكنة، لكنّها لم تكن عاجزة.
فكّر: لعلّ العطب لم يكن في القدرة، بل في الإيقاع… في هذا التّقطّع الذي يجعل كلٌ خطوة تبدأ من الصٌفر.
في الخارج، هدأ المطر قليلا، لم يتوقّف… لكنّه لم يعد صاخبا كما كان. وكأنّ السّماء تعلّمت هي الأخرى أن تقول الكثير… دون أن تحدث ضجيجا. وفي تلك اللّحظة، لمح شيئا مختلفا.
ليس في الطّريق… بل في طريقته في النّظر.
تخيّل أو قدّر، أنّ هذه الأرض يمكن أن تستيقظ يوما دون خوف. أنّ الطّرق لن تحتاج إلى من يراقبها، ولا النّوافذ إلى من يختبئ خلفها. أنّ الأسماء ستقال كما هي، دون ارتجاف، وأنّ الخطى ستسير فوق تراب يعرف أصحابه… ويعرفونه.
تخيّل العربيّ البسيط، ذاك الذي لا يطلب الكثير: بيتا لا يهدَّد، خبزا لا يساوم، وصوتا لا يؤجّل: واقفا في وضح النّهار، لا كظلّ طويل، بل كجسد كامل السّيادة.
ابتسم، لا لأنّ الواقع تغيّر…بل لأنّ الفكرة، أخيرا، لم تعد تبدو مستحيلة.
عاد ينظر عبر النّافذة، فلم يعد الزّجاج حاجزا كما كان… بل صار مرآة عاديّة، تعكس وجها لم يفقد إيمانه تماما.وظلّ هناك، بين مطر يخفّ، وطريق ينتظر، يمسك بخيط رفيع من المعنى…
خيط قد لا يرى، لكنّه هذه المرّة لم يكن من السّهل قطعه...
رشدي الخميري/جندوبة/ تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق