نبش في الماضي :
بقلم الأستاذ حسناوي سيلمي
يغازله الألم كل خربف بالرغم من أن تشرين خانه ذات مساء إلا أنه يبتهج به كل عام بحزن عميق..
رفع أوراقه على مضض وجرى نحو الفناء .. صرْختُه كانت كمن يضع قماشا على فمه ، فيمنع دون سماع صوته ..
تمثل له كنسيم هارب بين جدران المنزل .. من بعد ذلك العشاء والحديث القصير تركه ومضى ، غاب عنه دون عودة.. فهاهو يتقلّبُ كـ يوم خريفي في صدره ، كما تتعاقب السنين كُلما جاءت ذكرى رحيله..
يتم اليوم العشرين من عمره ، أصبح أكثر رزانة ونضجا، وأكثر غرقا في خواطره..
ومازال ككل عام يستشعر حضوره الذي صار بعيدا..
يغمض عيناه و يحاول اطفاء لهيب الذكرى العالقة بقوة في دواخله الرابضة هنا
وهناك..
ويأمل ذات الأمنية التي تملأ داخله " اطلالته عليه "
تحاول أخته التي تكبرهُ جاهدة .. أن تخلق فرحاُ يليق به ولا تقدر.. لكنها لا تيأس بالرغم من يقينها أن الشتاء البارد قد استوطن فؤاده وللأبد ..
يشتاق الجميع ضحكته الرقيقة ، كلهم يعرفون بأن قلبه الصغير ما عاد يتسع للألم، بعد فقده لظل أبيه ونوره..
مازال يترك جسده معهم، وتكبر روحه عند أحاديثه وذكراه الغالية ، فتتكلم دواخله قبل فمه بما هو أقرب للهمس: " أنا الفتى التي أمطرهُ الغيم ذات ليلة باردة ، وظِلُّك الذي ملأني طوال عمري بالنور قد غاب يا أبي.. صرت أستظل بذكراك، وأراها تستيقظ فْي من بقايا تلك الأيام الخالية ، قناديل تنير ظلمة دواخلي أحاديثك التي تحضرني كل مساء .. آه كم أخاف أن أفقد قدرتي على التذّكر كما فقدتك يا أبي .. دلني أيها الغالي كيف أخلق منك خيالاً و أضمكَ كما لم أفعل يوماً.. لكنك تشبه الآن السحاب الذي لايتواني ويختفي وراء ذلك الأفق ..أراك بقلبي ملاكا أبيضا لكن يستحيل عليَّ لمسكَ .." تمتم بذلك ثم أجهش بالبكاء.
اقتربت منه أخته وضمته إليها بارتباك، وبارتعاشةٍ خالطت كلماتها وقالت له:
"أبي يا أخي... أبي .."
فأوقفها وواصل باكيا :
"ماذا عن أبي ماذا ؟ الظاهر أنه لايحبنا ..فلو كان كذلك لما رحل عنا !
ربما أنجبَ أولادا غيرنا .. ربما كوّن حياة خالية منا ..
لن يرجع ! لن يرجع "
ردت أخته بأسى :
" كُفّ يا أخي ..ليس الأمر كذلك .. فوالدنا كان يحبكِ ملء قلبه أكثر مما تتصور .. ليتني أقدر على البوح .."
ثم ثقل لسانها ، ودخلت في صمتها المعتاد.. تُكلمُ نفسها وتقول: " ليتني أبوحُ وأضيءُ قلبه بالحقيقة ، لكنني وعدتُ أبي ولن أخلف وعدي له.."
على وقع هواجس أخته.. نام الليل وأغمض عيونه، وغفى هو في حضن أخته..
وفي فؤاده نامت معه أمنية .. أمنيته تلك لم تعد تصلح للتمني .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق