جمر الكلمة وسراب الخوارزمية..من اغتيال القريحة..إلى مملكة الذكاء المستعار..!
ليس عيبا أن يستعين كاتب بآلة،بل العيب أن تصير الآلة هي الكاتب..!.
في مشاهد صامتة من ورش الكتابة المعاصرة،ها هي الشاشات تتوهج بنصوص تخرج من رحم الخوارزميات،لكنها تظل ناقصة الولادة،شبيهة بالتماثيل الشمعية التي تحاكي الحركة لكنها لا تتنفس.هذه النصوص ليست أبناء شرعيين للروح، بل لقطات من مشهد سرقة هادئة يرتدي فيها الزيف ثياب الإبداع.
منذ أن فتح "الشات جبت" أبواب الجحيم على مصراعيها،اختلط النقيض بالنقيض: أصبح الحبر مرآة للوجه الذي يخجل من الاعتراف،وسقطت أقنعة الكثيرين ممن كانوا يتباهون بأنامل ملطخة بالحبر،فإذا هي أنامل فارغة تبحث عن زر
"إرسال".!
انجرفوا في تيار الكتابة السهلة،تلك التي لا تعرف طعم الأرق،ولا رائحة الليل،ولا وجع الممحاة التي تلتهم ما كتبته أنت لتكتبه من جديد.إنها كلمات تلدها برودة المنطق،فتعيش ميتة بين السطور.
لكنهم لا يدركون-أولئك الذين راهنوا على الآلة-أن الكتابة الحقيقية ليست لعبة تركيب جميل للجُمَل. الكتابة،أيها السادة،هي أن تنزف على الورق حتى آخر قطرة.والكاتب الأصيل حين يمسك القلم،لا يكتب: يتعرّى،يسقط جلدَه،ويفتش عن نبضه المتعثر بين ركام الكلمات.هو يلد النص كما تلد المرأة طفلها: بألم،بدم،بصيحات تكاد تمزق الحنجرة.يشطب سطرا فيبكي عليه،يكتب آخر فيضحك له،يمشي في الغرفة مئات الخطوات ليجد كلمة،ثم يعود فلا يجدها.لكن النص الخوارزمي لا يعرف هذه الطقوس.هو جثة مبردة تشبه الإنسان،قناع فاخر بلا وجه.كلام يُقرأ فلا يُحس،يُنطق فلا يُصدّق.!
والمفارقة الموجعة أن من يتبارون اليوم في استعارة أجنحة الروبوت يظنون أنهم يختصرون الطريق إلى الخلود،بينما هم يحفرون قبور كرامتهم بأيديهم.وسيأتي يوم-لا محالة-يقرأون فيه ما كتبوه ذات أمس فيجدونه غريبا عنهم،لا يحمل بصمة حزنهم،لا لهفتهم،ولا حمم صمتهم. سيدركون متأخرين أن الكتابة المستعارة ليست مفتاح المجد،بل بطاقة دخول سريعة إلى قاعة النسيان.لأن الحبر الذي يخلط بماء الوجه يبهت في أول مطر،بينما حبر الدم والعرق والشغف يبقى علامة فارقة على جبين الزمن،يقرؤه الأحفاد فيتساءلون مندهشين:
"كيف لهذا الإنسان أن يكتب بكل هذه الصدقية؟!"
أنا من جيل عرف أن الكلمة ليست لعبة،بل نار تأكل الحطب.جيل احترق بلهيب الإبداع واكتوى بجمر الصدق.كنا نكتب وكأننا نموت،ننزف وكأن لا غدا.كانت الكتابة لنا بلسم الجروح ودواء اليأس، وكان القلم ليس أداة،بل إصبع نابض بالحياة. نكتب لا لنحاكي الواقع،بل لنصنع واقعا آخر أجمل. نكتب للقادمين في موكب الزمن الجليل.
أما اليوم،فاختلط زبد البحر بجوهره،وغث الجهد بسمين الروح.وأصبح الذكاء الاصطناعي بطاقة سفر مزورة إلى عالم الإبداع،لكن وجه السفر لا يعود أبدا.وهنا يكمن الجرح الأعظم: أن نرى كرامة الكلمة تُباع في مزاد العلن..والخطر ليس في الآلة بقدر ما هو في القلب الذي رضي بالبديل..!
ختاما: الآلة ( الذكاء الإصطناعي) تُتقن هندسة الجمل،لكن القلب وحده يعرف كيف يولّد الصمت بين الكلمات.فمن استبدل نزيفه ببرودة المنطق،لم يخسر نصه فقط،بل خسر مرآته التي كان يمكن أن يرى فيها وجهه الإنساني قبل أن يندثر..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق