شذرات لغوية /
السعيد عبدالعاطي مبارك الفايد - مصر ٠
( إعراب و معنى آية )
قال تعالى :
" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ "
[ سورة الحجرات : الآية ١٠ ]
أقول للنفس تصبيراً وتعزية
إحدى يدي اصابتني ولم تُردِ
كلاهما خلفٌ من فقد صاحبه
هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
" قيس بن عاصم " ٠
في البداية نتوقف مع هذه الآية الكريمة و هي تحمل دستور الأخلاق و آداب و فن التعاملات، و الحكم بين الأخوة لجمع شمل الطرفين بعد الشقاق و النزاع ، و القبول و التسليم بالتحكيم من طرف ثالث يحرص على الإصلاح دون تحيز في توفيق هكذا ٠٠
و هذه الآية الواقعية لا تحتاج إلى تفسير و لا تأويل و لا دليل ، فالمفردات و الألفاظ موجزة في بيان و مفصلة وشارحة نفسها بعيداً عن الغموض صراحة ٠
و حاسمة إنما المؤمنون إخوة في الإسلام، والأخوة في الإسلام تقتضي أن تصلحوا - أيها المؤمنون - بين أخويكم المتنازعين، واتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه في تقوى بغية الرحمة التي تمحص التجاوزات معنويا و ماديا في ظل الحقوق و الواجبات ٠
* أولا الإعراب :
--------------------
إِنَّمَا : إن: حرف توكيد مشبّه بالفعل بطل عمله.
و"ما": كافة.
" الْمُؤْمِنُونَ " : مبتدأ مرفوع بالواو، لأنه جمع مذكر سالم.
إِخْوَةٌ : خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
فَأَصْلِحُوا : الفاء: حرف استئناف.
أصلحوا: فعل أمر مبنيّ على حذف النون، لأن مضارعه من الأفعال الخمسة.
و"الواو" ضمير متّصل مبنيّ في محلّ رفع فاعل، و"الألف": فارقة.
بَيْنَ : ظرف مكان منصوب بالفتحة متعلّق بـ"أصلحوا" وهو مضاف.
أَخَوَيْكُمْ : مضاف إليه مجرور بالياء، لأنه مثنى.
وَاتَّقُوا : معطوفة على "أصلحوا" وتعرب إعرابها.
اللَّهَ : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
لَعَلَّكُمْ : حرف توكيد مشبّه بالفعل، و"كم": ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ نصب اسم "لعل".
تُرْحَمُونَ : فعل مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع بثبوت النون، و"الواو" ضمير متّصل مبنيّ في محلّ رفع نائب فاعل.
وجملة "المؤمنون إخوة" لا محلّ لها من الإعراب، لأنّها استئنافيّة.
وجملة "أصلحوا" ( الثانية ) في محلّ جزم جواب شرط مقدر أي إن اقتتلوا فأصلحوا.
وجملة "اتقوا" معطوفة على جملة "أصلحوا" الأخيرة.
وجملة "لعلكم ترحمون" لا محلّ لها من الإعراب، لأنّها استئنافيّة.
وجملة "ترحمون" في محلّ رفع خبر "لعلّ" ٠
* ثانيا المعنى العام الإجمالي :
-------------------------------------
إنما المؤمنون إخوة: تقر بأن جميع المؤمنين إخوة في الدين والعقيدة، تجمعهم رابطة الإيمان وهي أقوى من رابطة النسب.
فأصلحوا بين أخويكم: بادروا إلى الإصلاح والتقريب بين أي متنازعين أو مقتتلين من المسلمين.
واتقوا الله: خافوا الله واجتنبوا معاصيه في كل أموركم وفي سعيكم للإصلاح.
لعلكم ترحمون: رجاءً وطمعاً في نيل رحمة الله عز وجل التي تنال بطاعته والإصلاح بين عباده.
وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.. استئناف مقرر لمضمون ما قبله من الأمر بوجوب الإصلاح بين المتخاصمين.
أى: إنما المؤمنون إخوة في الدين والعقيدة، فهم يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب ٠
كل هذا من أجل التواصل والتراحم والتناصر في جلب الخير، ودفع الشر، فكذلك الأخوة في الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح، وإلى تقوى الله وخشيته، ومتى تصالحتم واتقيتم الله-تبارك وتعالى- كنتم أهلا لرحمته ومثوبته.
قال صاحب الكشاف:
فإن قلت: فلم خص الاثنان بالذكر دون الجمع في قوله: فأصلحوا بين أخويكم ٠
قلت: لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين .
هذا، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين جملة من الأحكام منها:
أن الأصل في العلاقة بين المؤمنين أن تقوم على التواصل والتراحم، لا على التنازع والتخاصم ٠
وأنه إذا حدث نزاع بين طائفتين من المؤمنين، فعلى بقية المؤمنين أن يقوموا بواجب الإصلاح بينهما حتى يرجعا إلى حكم الله عز وجل ٠
قال الشوكانى:
إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة، حتى تخرج من الظلم، وتؤدى ما يجب عليها نحو الأخرى .
ثم وجه- سبحانه - إلى المؤمنين نداء رابعا، نهاهم فيه عن أن يسخر بعضهم من بعض، أو أن يعيب بعضهم بعضا فقال إنهم أخوة ٠
فيا رب اجعلنا كلمة خير و عدل و صدق بين الناس و ألف بين قلوب عبادك فالحياة رحلة قصيرة و متاعها زائل بلا شك ، فعلام الاقتتال و النجاة ترك كل ما فيها فالدنيا سوق و قنطرة و باب مجرد لحظات ثم يكون الخلود في الآخرة ٠
و على الله قصد السبيل ٠
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق