السبت، 6 يونيو 2026

رزقة السماء.... بقلم : حميد النكادي..

 رزقة السماء....

بقلم : حميد النكادي..


(كما يحتاج البطن  للخبز والماء ،تحتاج الروح الحرية...)


​مَن يجرؤُ أن يسلبَ منكَ


حريتَكَ أيها الطائرُ الجميل؟


لم تُخلَق جناحاكَ للصدأِ خلفَ


القضبانِ  نهارا  وليل(ا)


وإلّا لِمَ صَلُحَ هذا الفضاءُ


وزرقةُ السماءِ والهواءُ العليل؟


هل يفهم المتغطرس الشرير 


حجم الدمار في قلب الأسير ؟


أم عميت الأبصار


 حتى غدت  القلوب


 قاسية وساء التدبير؟


آه من لوعة غياب الروح 


و تيه  الجَنان و موت الضمير 


أليس كذلك يا فكتور هيجو 


أنت الذي فتحت أبواب التنوير..


قل لي بالله يا فيكتور 


هل تزهر الاشجار 


وتنمو شتى الازهار 


إن انحَبس الماء 


وغابت السحب عن الأنظار ..


أنحصد ما زرعنا 


إن غابت الأمطار؟


فرنسا 04/06/2026.


قراءة في هذه الكلمات تأخذنا مباشرة إلى عمق الجرح الإنساني النازف حين تُسلب الحرية. قصيدة الكاتب حميد النكادي (رزقة السماء...) هي معزوفة شجية تدمج بين التوق الفطري للانعتاق وبين الإدانة الصارخة للظلم البشري.


​إليك وقفة تأملية في أبعاد هذا النص الجميلة والعميقة:


​1. جدلية البطن والروح (المقدمة)


​يبدأ الكاتب بمقولة مفتاحية تلخص فلسفة الوجود البشري: (كما يحتاج البطن للخبز والماء، تحتاج الروح الحرية...).


هذه المقارنة الذكية ترفع الحرية من مرتبة "الرفاهية الفكرية" إلى مرتبة "الضرورة البيولوجية". السجن ليس حرمانًا من المكان فحسب، بل هو تجويع قسري للروح.


​2. الطائر والفضـاء: رمزية الانعتاق


​يستعير الشاعر صورة "الطائر" كرمز كوني للحرية، ويستنكر بمرارة فكرة "الصدأ خلف القضبان".


​المفارقة المؤلمة: خلق الله الكون ممتدًا شاسعًا (الفضاء، زرقة السماء، الهواء العليل) ليتناسب مع اتساع الأجنحة، لكن "المتغطرس الشرير" يصر على حصر هذا الامتداد في زنزانة ضيقة.


​3. تشخيص العمى الأخلاقي


​ينتقل النص من وصف الحالة إلى التساؤل الاستنكاري حول سيكولوجية الطاغية:


​أم عميت الأبصار حتى غدت القلوب قاسية وساء التدبير؟


​هنا إدانة لموت الضمير الإنساني، حيث يتحول الأسر إلى دمار صامت في قلب الأسير، دمار لا يراه السجان لأن عماه ليس في البصر، بل في البصيرة والقلب.


​4. استحضار "فيكتور هيجو" (أيقونة البؤساء والحرية)


​استدعاء الأديب الفرنسي العظيم فيكتور هيجو (Victor Hugo) في ختام القصيدة، ومن قلب فرنسا (تاريخ 04/06/2026)، هو ضربة معلم أدبية وسياسية:


​هيجو هو الذي كتب "البؤساء" ودافع بشراسة عن السجناء والمستضعفين، وهو الذي حارب عقوبة الإعدام وسلب حريات الشعوب.


​مخاطبته بـ "أنت الذي فتحت أبواب التنوير" هي محاكمة ضمنية للواقع الحالي؛ وكأن الشاعر يسأل: "أين تنويرك يا هيجو مما يفعله المتغطرسون اليوم؟"


​5. الخاتمة: حتمية الجفاف الإنساني


​تنتهي القصيدة بأسئلة وجودية مجازية: هل تزهر الأشجار بلا ماء؟ هل نحصد بلا أمطار؟


الحرية في هذا النص هي "الماء" و"المطر". وغيابها لا يعني فقط حبس جسد الأسير، بل يعني موت الحياة بأكملها، وتوقف العطاء الإنساني، وجفاف الحضارة.


​خلاصة:


نص (رزقة السماء...) صرخة أدبية راقية، كُتبت بلغة شاعرة تجمع بين رقة الطير وقسوة القضبان، لتؤكد أن الحرية ليست مجرد حق، بل هي "رزق السماء" الذي لا يحق لبشر أن يمنعه. تحية لقلم الكاتب حميد النكادي على هذا البوح الإنساني الصادق.

إن كانت الازهار والأشجار هي الجيل القادم والامطار هي الحرية 

  فهذا يمنح النص بعداً أعمق وأكثر استشرافاً للمستقبل؛ فالأمر هنا لم يعد مجرد بكاء على حرية مفقودة في الحاضر، بل تحذير من "قحط حضاري وإنساني" يهدد المستقبل.


​عندما تصبح الأزهار هي "الجيل القادم"، والمطر هو "الحرية"، يتحول النص إلى معادلة تربوية وفلسفية خطيرة:


​الطفولة والشباب كبذور: الجيل الجديد يولد بجهوزية فطرية للإبداع والعطاء (ليعطي أُكُلَه)، لكن هذه البذور تحتاج إلى مناخ من الانعتاق والكرامة لتنمو.


​الحرية كشرط للوجود: إن حبس الماء (الحرية) عن هذه الأزهار الناشئة لن ينتج عنه مجرد أفراد مطيعين، بل سينتج عنه "جيل ذابل"، جيل بلا هوية، وبلا قدرة على الإنتاج أو الابتكار.


​المسؤولية تجاه المستقبل: الاستبداد وقمع الحريات لا يدمر الحاضر والأسير الحالي فقط، بل يمتد أثره السام ليشوه جيل الغد الذي يتربى في بيئة يملؤها الخوف وتغيب عنها شمس التنوير.


​بهذا التفسير، تصبح أسئلتك لفيكتور هيجو صرخة نيابة عن المستقل: كيف لفرنسا، أو لأي مجتمع يدعي التنوير، أن يرجو مستقبلاً مزهراً وهو يخنق أنفاس الجيل الذي سيبنيه؟


​إضافة رائعة جعلت من القصيدة بياناً دفاعياً عن حق الأجيال القادمة في تنفس الحرية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق