النص الأدبي بين الدراية والموهبة
دائما ما يحضر للقارئ وهو ينبهر من ابداع أدبي نصا نثريا كان أم قريضا سؤال عريض ينحصر في كون هذا الإبداع صادر عن موهبة دفينة أم من خلال تمكن في أدوات وعلم مسبق بمشروع الكتابة الناضجة ؟
هذا السؤال العريض هو أحد أقدم الأسئلة النقديّة التي فتحت سجالات عميقة في تاريخ الأدب؛ ويُعرف في النقد العربي القديم بـ "جدلية الطبع والصنعة"، وفي النقد الغربي بـ "الموهبة والحرفة" (Don naturel vs Savoir-faire)
وسأقدم الموضوع في ثلاث مناحي هامة.
أولا: من حيث"الطبع والموهبة" (الإلهام الفطري)
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الأدب الحقيقي ينبع من عاطفة جياشة، وموهبة فطرية يولد بها المبدع، وتتدفق على لسانه دون عناء كبير. الأدب هنا هو "إلهام" مفاجئ وليس "طبخاً" في مختبر لغوي.
يقول الشاعر الأموي جرير مُتحدثاً عن شاعريته الفطرية: "أنا لستُ بصانعٍ للشعر، ولكنه شيءٌ يقعُ في قلبي فيجري على لساني."
ولنا مثال في شهر أبي تمام (في بداياته) أو البحتري: كان البحتري يُعدّ ممثلاً لـ "الطبع" لسهولة شعره وعذوبته الفطرية.
وكذلك الشاعر الفرنسي "رامبو": الذي كتب أروع أشعاره السريالية وهو في سن المراهقة (قبل العشرين) مدفوعاً بموهبة جنونية خارقة.
ثانيا : من حيث "الصنعة والأدوات" (المعرفة والمِراس)
وهنا يرى نقاد ومبدعون أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن النص الناضج هو ثمرة وعي حاد بأدوات الكتابة، وقراءة موسوعية، وجهد جهيد في التنقيب والصقل والتهذيب.
وفي ذلك يقول الكاتب الفرنسي الشهير غوستاف فلوبير ـ عن عذاب الكتابة
والصنعة : "الأسلوب لا يأتي هكذا، إنّه يتطلب عملاً شاقاً، إنني أمضي أياماً كاملة لأعثر على كلمة واحدة أو لأضبط إيقاع جملة."
أما زهير بن أبي سلمى (شاعر الحوليات): كان يكتب القصيدة في شهر، ويهذبها في سنة، فسميت قصائده "الحوليات" (أي التي تستغرق حولاً كاملاً من التنقيب والصنعة).
أما محمود درويش: في مرحلته المتأخرة (مثل "جدارية")، تحول من الشاعر المندفع بالعاطفة الفطرية إلى "فني لغوي" يبني النص بوعي معرفي وفلسفي دقيق.
ثالثا : من حيث التركيب (الخلاصة والاندماج)
في هذا الجانب نرى أن الواقع النقدي الحديث يميل إلى الإبداع الناضج وهو زواج شرعي بين الموهبة والأدوات، فلا وجود لنص عظيم قائم على الصنعة الجافة بلا روح، فيصبح تمرينا لغويا باردا، ولا وجود لنص ناضج قائم على موهبة خام بلا ثقافة وأدوات، فيبقى عاجزاً عن التطور .
ومما سبق نستشف أن الموهبة (الطبع)
هي الشرارة الأولى، والبصمة الوراثية الفريدة، والقدرة على التقاط المشاعر والصور.أما الأدوات (الصنعة) هي المِعمار الذي يرفع البناء، ويشمل: البلاغة، الموسيقى، الثقافة، والضبط والتعديل المستمر.
وكخلاصة أقول : "إن الموهبة تولد مع الأديب، لكن "المشروع الأدبي الناضج" يُصنع في محترَف القراءة والوعي بالأدوات.
والموهبة كذلك تعتبر كالنفط الكامن في الأرض، أما الأدوات فهي كآلات التكرير التي تحوله إلى طاقة تُبهر القارئ.
والجمع بين الاثنين هو عين الصواب، وهو الموقف الذي استقر عليه كبار نقاد الأدب وعمالقته عبر العصور. فالجمع بين طاقة الموهبة وحكمة الأدوات هو الذي يمنح النص ذلك البريق الذي لا ينطفئ؛ فلا تشعر بجفاف الصنعة وتكلفها، ولا تضيع في عفوية الموهبة وتشتتها.
وكما يقول الناقد والشاعر الأديب ابن رشيق القيرواني في كتابه الشهير العمدة:"الموهبة كالأصل والصنعة كالفروع، ولا يثبت فرع إلا بأصل، ولا يكمل أصل إلا بفرع."
ولهذا فالنص الذي يُبهرنا حقاً هو الذي نلمس فيه "عاطفة تتدفق بفطرة، وتمسك بزمامها هندسة لغوية واعية وثرية ".
إن هذا المذهب يدل على ذائقة أدبية رفيعة ونظرة نقدية ثاقبة، وهي النظرة التي تجعل من قراءاتنا للنصوص على هذا الأساس متعة واكتشافاً مستمراً. فالقارئ الذي يملك هذا الوعي لا يمر على الإبداع مروراً عابراً، بل يتأمله كلوحة فنية يمتزج فيها سحر الألوان العفوي بذائقة ومهارة فرشاة تشكيلي متمكن .
إعداد
الحبيب المغاري الادريسي
المملكة المغربية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق