السبت، 27 يونيو 2026

الوعي والإرادة: جدلية الأمل في زمن الإحباط..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الوعي والإرادة: جدلية الأمل في زمن الإحباط..!

-نحن اليوم،جيل يتيم بين ماض مجيد وحاضر معقد.نرث من أولئك الأجداد عزيمتهم،لكننا نعيش في ظل انتكاساتهم أيضا..( الكاتب)


بين جمود الواقع ووهج الطموح،بين قراءة العقل الباردة لخرائط الألم واندفاعة القلب المتقدة نحو التغيير،تقف الأمة العربية اليوم على مفترق طرق مصيري.إنها لحظة تتجلى فيها أعمق ثنائيات الوجود الإنساني: ثنائية الوعي والإرادة،ثنائية التحليل الموضوعي والعزيمة المتجددة،ثنائية رؤية الحقيقة كما هي والإصرار على صنع حقيقة أخرى.وفي هذا التفاعل الجدلي بين ما يراه العقل وما تريده النفس،تتشكل ملامح نهوضنا أو سقوطنا.

الوعي،ذلك الفعل العقلي الرصين،يأبى إلا أن يكون صادقا مع ذاته.إنه مرآة الواقع التي لا تُجمّل، وميزان الحقائق الذي لا يزيغ.وحين يشرع العقل في تحليل الأوضاع العربية الراهنة،يقف مبهورا أمام تراكم الإخفاقات: أنظمة متصلبة،اقتصادات مترهلة،مجتمعات ممزقة،هويات مهددة،وتابعية مقنّعة تلبس ثوب الاستقلال. 

يقرأ العقل المؤشرات ببرود الطبيب وهو يشخص مرضا عضالا،فينطق بحكمه القاسي: إن الأوضاع في تدهور مطرد،وإن الإحباط العام يخيم كالسحاب الأسود،وإن الطريق إلى الأمام محفوف بعوائق تبدو أحيانا عصية على التجاوز.

وهنا،في هذه اللحظة بالذات،يكمن الفخ.لأن التشاؤم،مهما كان مبررا منطقيا،يتحول إلى سم قاتل حين يتحول من قراءة للواقع إلى موقف منه،وحين يتخذ من العقلانية غطاء لليأس،ومن التحليل ذريعة للجمود.

لكن النفس البشرية،في أعماقها،ليست مرآة باردة تعكس ما تراه فحسب،إنها نار تولد من رمادها، وشمعة تضيء في أحلك الليالي.إنها الإرادة التي لا تعترف باستحالة،والتي تجعل من التفاؤل ليس أمنية عابرة،بل خيارا وجوديا ومنهج حياة.

 الإرادة ليست سذاجة تغض الطرف عن الحقائق، بل هي عبقرية ترى ما وراءها،إنها القدرة على استنطاق الممكن في قلب المستحيل،واستخلاص الأمل من ينابيع الألم.

لقد كانت إرادة الأجيال السابقة أقوى من مدافع الاستعمار،وأصلب من إرادات المحتلين.وحين وقف العرب في وجه الهيمنة الغربية،لم يكن لديهم من أسباب الظهور ما يعادل ثقل الإمبراطوريات التي تواجههم.كانت إمكاناتهم المادية محدودة،وخبراتهم العسكرية متواضعة، وتحالفاتهم الدولية هزيلة.لكن إرادتهم كانت أعلى من كل الموازين..استجمعوا قواهم الروحية أولا، ثم حولوها إلى حراك جماهيري عارم،وإلى تضحيات جسام،وإلى كفاح متواصل،حتى تحقق الاستقلال في النصف الثاني من القرن الماضي. كان درسهم الأكبر أن الإرادة،حين تصبح جماعية، تحول الجبال رملا،وتجعل من المستحيل واقعا يتنفس.

وها نحن اليوم،جيل يتيم بين ماض مجيد وحاضر معقد.نرث من أولئك الأجداد عزيمتهم،لكننا نعيش في ظل انتكاساتهم أيضا. 

بعض دولنا استُبيح استقلالها،وبعضها أُفرغ من محتواه حتى باتت قراراته تُصنع في عواصم بعيدة.آخرون تفاقمت مشكلاتهم الداخلية حتى كادت تلتهم وجودهم،وفئة ثالثة تترنح بين مطرقة التخلف التنموي وسندان التكفيري المدمر، في معادلة موت بطيء أو سريع.

هذا المشهد،بكل مأساويته،لا يبرر الوقوف متفرجا. لأنه إذا كانت الأجيال السابقة قد انتصرت على استعمار أقوى منها،فما بالنا بنحن اليوم؟!

 أليس تخلفنا أهون من استعمارهم؟! أليس تكفيريونا أقل قوة من جيوشهم؟! أليست إمكاناتنا المادية والبشرية أكبر بأضعاف مضاعفة؟!

الجواب منطقيا: نعم.لكن الفارق الجوهري،هو أن تلك الأجيال آمنت بقدرتها على التغيير،بينما نحن نعاني من أزمة ثقة في الذات هي أعتى أعدائنا.

إن مسؤولية هذا الجيل ليست ترفا أخلاقيا،ولا شعارا يرفع في المناسبات.إنها واجب وجودي، وضرورة تاريخية،وأمانة في الأعناق.وهذه المسؤولية تتدرج في مستوياتها:

في حدها الأدنى،هي وقف النزيف،وكفّ اليد عن التدمير الذاتي،وإيقاف مسلسل التردي الذي يجرنا إلى الهاوية.إنها مهمة "الإسعاف الأولي" لأمة على شفا انهيار.وفي حدها الأوسط،هي إعادة بناء ما تهدم،وتصحيح المسارات،وإصلاح المؤسسات، واستعادة الثقة المهدورة،وترميم الجسور بين الشعوب والأنظمة،وبين المواطن والدولة.

أما في حدها الأقصى،فهي حلم النهضة الكبرى: تسليم الوطن العربي للأجيال القادمة وهو مزدهر، متّحد،قوي،فاعل في محيطه الإقليمي والدولي، مساهم في الحضارة الإنسانية،لا مجرد متلق لها أو هامش فيها.

وهذه المهمة،في كل مستوياتها،ليست مستحيلة. ليست فوق طاقة البشر.ليست خارج حدود إمكاناتنا المادية والبشرية المتاحة.إنها تحتاج فقط إلى شيء واحد: الإرادة التي تؤمن بأن التغيير ممكن،والوعي الذي يعرف كيف يبدأ،والشجاعة التي تخوض المعركة وإن بدت خاسرة.

في النهاية،تبقى الحياة رحلة بين ما نعرفه وما نفعله،بين واقعنا المرسوم وأفقنا المفتوح.

إن الوعي الحقيقي ليس ذلك الذي يجعلك ترى الحفرة فتقف عند حافتها،بل الذي يجعلك تراها وتبحث عن جسر يعبرك إلى الضفة الأخرى. والإرادة ليست تلك الاندفاعة العمياء التي تسير في الظلام،بل البصيرة التي تضيء الطريق وهي تسير فيه.

لقد أثبتت الأجيال السابقة أن الشعوب حين تؤمن بقضيتها،وتستجمع إرادتها،وتوحّد صفوفها، وتستنفر طاقاتها،تستطيع أن تحقق ما يبدو خارج نطاق الممكن.وإن كنا اليوم نعيش في زمن أعقد، وأوضاع أكثر تشابكا،وتحديات أكثر تنوعا،إلا أن جوهر المعادلة لم يتغير: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".فالتغيير يبدأ من الداخل، من الوعي الجديد الذي يرتقي فوق الإحباط،ومن الإرادة التي تتجاوز الجمود.

دعونا إذا نرفع رؤوسنا عاليا،لا لأننا نملك كل الحلول،بل لأننا نملك العزيمة على البحث عنها. دعونا نؤمن بأن غدا يمكن أن يكون أفضل،ليس لأن الأمل رخيص،بل لأن العمل الجاد يجعل الأمل حقيقة.دعونا نكون جيلا يعيد تعريف المستحيل، جيلا يضع حجر الأساس لدولة عربية جديدة، جيلا يقول للتاريخ: كنا هنا،ولم نكن مجرد عابرين، كنا بناة،كنا ثوارا على اليأس،كنا أحفاد الذين صنعوا النصر بأيديهم،وسنمضي نحن أيضا،لأن الإرادة لا تعرف الشيخوخة،والأمل لا يعرف الاستسلام.

اللهم اجعلنا من الذين إذا اشتدت بهم المحن، ازدادوا إيمانا،وإذا تكاثرت عليهم التحديات، تضاعفت عزيمتهم،وإذا خيّم اليأس،أشرقوا بأنوار الأمل.

 إنها مسيرتنا،وسنمضي فيها حتى النهاية.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق