الأحد، 28 يونيو 2026

الرشفة الأخيرة بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد

 الرشفة الأخيرة

بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد 


لم يكن الوداع حدثًا كبيرًا كما تصفه الروايات.


لم تنطفئ الأنوار، ولم تتوقف عقارب الساعة، ولم تسقط السماء فوق رأسي.


كل ما حدث أنك نهضتَ من مقعدك بهدوء، ألقيتَ جملة عابرة لا أذكرها الآن، ثم مضيت.


وبقيتُ أنا.


أراقب الباب الذي أغلق خلفك، دون أن أعرف أنه سيظل مغلقًا إلى الأبد.


مرت الأيام بعدها عادية على نحو مؤلم. كنت أستيقظ، أمارس تفاصيل حياتي، أتحدث مع الناس، وأضحك أحيانًا. لكن شيئًا ما كان يتناقص داخلي كل يوم، كشمعة تحترق بصمت في غرفة مهجورة.


بعد سنوات، التقيت صدفةً بأحد الذين عرفوا قصتنا.


قال لي وهو يبتسم: "كنتما تبدوان سعيدين."


هززت رأسي ولم أجب.


فالسعادة الحقيقية لا نعرفها حين نعيشها، بل حين نفقدها.


في تلك الليلة، جلست وحدي أفتش في الذاكرة. رأيتك جالسًا أمامي كما كنت دائمًا. تذكرت ضحكتك العابرة، وطريقتك في الإصغاء، والصمت الذي كان يملأ المسافات بين الكلمات.


عندها فقط أدركت حجم جهلي.


لو كنت أعلم أن تلك اللحظات كانت آخر ما بيننا، لما مررت بها مسرعًا. لكنت حفظت تفاصيلها كلها. لكنت تأملت وجهك أكثر، وأصغيت إلى صوتك أطول، وخبأت كل ابتسامة وكل كلمة في مكان آمن من روحي.


لو كنت أدري، لشربت تلك الأيام رشفةً رشفة، وجعلتها زادي في سنوات الغياب.


لكن الحياة لا تمنحنا هذه الرفاهية.


إنها لا تخبرنا أي لقاء سيكون الأخير، ولا أي كلمة ستكون الوداع الأخير.


ولهذا تمضي الأشياء الجميلة فجأة، وتبقى الذكريات وحدها...


ككأسٍ فارغ ما زالت رائحته تحتفظ بطعم الحياة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق